دخلتُ العسكرَ فإذا أدنى الناس بني عامر، ويقولون: يا آل عامر الرحيل، لا مقام لكم، وإن الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، قد دفنت رحالهم وطنافسهم، يستترون بها من التراب، فجلست بين اثنين، فلما استويت بينهما قال ذلك الرجل: الليلة ليلة طلائع، فليسأل كلُّ رجل جليسه، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها فقلت للذي عن يميني: من أنت؟، وقلت للذي عن شمالي من أنت؟ ثم خرجت نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا معتمين، فقالوا لي: أخبر صاحبَك أن اللهَ قد كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مشتملٌ بشملة يصلي، فو الله ما عدا أن رجعت رجع إلي القُرُّ رجعت أقرقِفُ فأومأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليَّ بيده، وهو يصلي فدنوت منه فأسبل علي شملته، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمرٌ صلى فأخبر خبر القوم، وأخبر أنهم يترحلون فأنزل الله عز وجل {? ? ? ? ? ? ? ?} إلى آخر الآياتِ [1] .
(1) - حديث حسن: رواه أبو عوانة في المستخرج باب بيان السنة في توجيه الطليعة 13/ 359، ورواه البيهقي في الدلائل دلائل النبوة 3/ 451، ورواه الحاكم في المستدرك 3/ 31 وصححه وأقره الذهبي، ورواه ابن حبان في صحيحه - حديث 7248، ورواه ابن سعد في الطبقات 2/ 71 عن سعيد بن جبير، والطبري في تفسيره 20/ 216 والذُّرِّية: اسمٌ يَجْمعُ نَسل الإنسان من ذَكَرٍ وأنَثَى وقد تطلق على الزوجة، وجُنة: وقاية وحماية، و المِرط: كساء من صوف أو خز أو كتان، والجثو: الجلوس على الركبتين، الآدم: الأسمر، والخاصرة: ما بين رأس الوَرِك وأسفل الأضلاع وهما خاصرتان، والكنانة: جعبة صغيرة من جلد تحمل فيها السهام، والرحال: المنازل سواء كانت من حجر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر أو غير ذلك، والاشتمال: أن يتلفف بالثوب حتى يجلل به جميع جسده، ولا يرفع شيئا من جوانبه فلا يمكنه إخراج يده إلا من أسفله، والشملة: كساء يُتَغَطَّى به ويُتَلفَّف فيه، والقر: البرد الشديد، وحَزَبَهُ: نابه وألمَّ به واشتد عليه.
وأصل الحديث في صحيح مسلم: ونصه: روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ رَجُلٌ لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ! فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَكَتْنَا فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ فَقَالَ قُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ قَالَ اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ قُمْ يَا نَوْمَانُ. صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير - باب غزوة الأحزاب. حديث 99 - (1788) .