السابق ولفرُّوا هذه المرَّة إلى أعماقِ الباديةِ ليؤثِروا السلامةَ مكتفين بتتبع الأخبار وتقصِّي الأحداثِ وتلقُّفِ الأنباء من بعيدٍ، مع أنهم لو حضروا القتال لما قاتلوا إلا النَّذرَ اليسير، من باب الرياء والسمعة، وإثبات حضورهم، لا قتالا جادَّا يحتسبون فيه الأجر والثواب من الله ...
وفي هذه الآية درسٌ لأولئكَ الذين اختزلوا الإسلامِ في أداء بعض جوانبهِ دون مراعاةٍ لشمولهِ، فتعاملوا مع قضايا الأمة وهمومها وأزماتها بسلبيةٍ شديدةٍ، وانشغلوا بإصلاح بعض الجوانبِ الدينية، وأغفلوا في المقابل جوانب أخرى مثل الدعوةِ إلى إصلاحِ المجتمعِ والنهوضِ به، وتوجيه النصيحة إلى أولي الأمر، وصدِّ العدوان على الأمة والتصدِّي لمكائدِ أعدائها الذين يتربصون بها، لكنهم يُغْفِلُونَ كثيرا من هذه الجوانب إيثارًا للسلامةِ ورغبةً في العافيةِ، ويرضُون لأنفسهم بموقف المُتفرِّج على الأحداثِ دون التفاعلِ معها والمشاركةِ في صنعِها والمساهمةِ في تغييرِ واقعِ الأمةِ والتخطيطِ لمستقبلِهَا.
أسفرتْ تلك الفتنةُ عن مواقف مضيئة ونماذجَ مُشرقةٍ وقد قيل: - وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدرُ - إنهم جنودُ الحق الذين بذلوا مُهَجَهُم لنصرته، رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومن حوله من الرجال الصادقين، ولقد سجَّل لهم القرآنُ تلكَ البطولاتِ لتظلَّ عبرةً للمعتبرينَ وأُسوةً للمتأسِّين.
قال تعالى {? ? ? ? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?}
بدأ السياق بهذه الصورة الوضيئة والقدوةِ الحسنة والأسوة الطيبة إمام المتقين وقائد الغرِّ الميامين، وقدوة الصابرين نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الذي ضرب المثل الأعلى في الصبر والثبات، والبذلِ والعطاءِ، والشجاعةِ والإقدامِ، وفي الآية تمهيدٌ وتوطئةٌ للحديث عن موقف المؤمنين الصادقين.
وفي الآية عتابٌ للمتقاعسين والمتخاذلين يومَ الأحزاب: أنهم لم يقتدوا يومئذٍ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي استشار أصحابَهُ وشاركهُم في حفر الخندق وحمل التراب على كتفيه، ورَبَطَ على بطنِهِ من الجوعِ وتحمَّل البردَ القاسيَ، ورابط في الميدان، وألحَّ في الدعاء والتضرع إلى الله.
قال ابن كثيرٍ رحمه الله:"هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أُمِرَ الناسُ بالتأسي به يوم الأحزابِ: في صبرِهِ ومصابرتِهِ ومرابطتِهِ ومجاهدَتِهِ وانتظارِهِ الفرجَ من ربه عزَّ وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تضجَّروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} " [1] .
(1) - تفسير ابن كثير 6/ 391.