الصفحة 60 من 69

قال أنس: فكنَّا نقول: أُنزلت هذه الآية ? {? ? ? ? ? ?} فيه وفي أصحابه.

ولكنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوص السبب والآيةُ عامةٌ في كل من تنطبقُ عليه من الصحابة.

وفي هذه الآية الكريمة كما بيَّنا تعريضٌ بالمنافقين الذينَ بدَّلوا ونقضوا العهود والمواثيق التي أخذوها على أنفسِهِم وأشهدوا الله عليها، وفي تبديل العهود ونقض المواثيق خطرٌ داهمٌ يهدد أمنَ الأمةِ واستقرارها، وكم من حكَّامٍ وزعماء وَعَدُوا شعوبَهم بالأمن والأمان والحريةِ والرخاء، وسجَّل لهم التاريخُ بدايةً مشرقةً واعدةً، وخُطَبا افتتاحيةً رنانَةً، فما طال بهم العهدُ حتى تبدلوا وكشَّروا عن أنيابهم ونقضوا عهودهم وارتدوا على أعقابِهم، وسوَّدوا صحائفَهم، وأحالُوا نهار شعوبهم إلى ليلٍ طويلٍ حالكٍ!

لذا كانت أهمية الثبات على المبدأ والوفاء بالعهود والمواثيق من شِيَمِ أهلِ الإيمان والصدق مع الله، أما أهل الكفر والنفاق فلا عهد لهم ولا ذمة.

وصدق الشاعر إقبال حين قال:

إِذا الإيمانُ ضاعَ فلا أمانٌ ... ولا دنيا لمن لم يُحيِ دينَا

ومن رضيَ الحياةَ بغيرِ دينٍ ... فقدْ جَعَلَ الفناءَ لها قَرِينَا

هذا الابتلاء وما يُسْفِرُ عنه: ليجزي الله الصادقين بصدقهم فينصرهم في الدنيا ويدخلهم في الآخرة جناتِ النعيم، ويعذبَ المنافقين إن ماتوا على نفاقهم أما إن تابوا منه فإن رحمته تعالى واسعة، وتعليق العذاب بالمشيئة لعلهم يتوبون فيغفر لهم ويرحمهم، أو لبيان أنه تعالى لا يجب عليه شيء، فإن شاء عذب المنافقين وإن شاء رحمهم لكن المتحقق أنه تبارك وتعالى شاء تعذيبهم ولم يشأ رحمتهم فكأنه قيل: إن شاء يعذب المنافقين في الآخرة لكنه سبحانه شاء تعذيبهم.

قال الألوسي:"المراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذبهم بإبقائهم منافقين وإن شاء سبحانه لم يعذبهم بأن يسلبَ عنهم وصفَ النفاقِ بالتوفيقِ إِلى الإخلاص في الإيمان" [1] .

ففي الآية حذفان: حذفٌ من الأول لدلالة الثاني عليه، وحذفٌ من الثاني لدلالة الأول عليه، والمعنى ويعذب المنافقين إن أقاموا على النفاق وماتوا عليه، أو يتوب عليهم إن رجعوا عنه وتابوا منه.

في الدنيا يجزي الصادِقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيلِ المآب والخلودِ في النعيم المقيم، {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} على الوجه الذي سَبق به العلم، وتَعَلَّقت به المشيئة.

(1) - روح المعاني للألوسي - 16/ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت