يأتي النداءُ الأولُ لأهلِ الإيمانِ مُذَكِّرًا بنعمةٍ من أجلِّ النعم وأحبِّها إلى النفوسِ: نعمةِ النصر على الأعداء المتآمرين في غزوةٍ من أعظم الغزوات، ومحنةٍ من أشد المحنِ، محنة الأحزاب: حيثُ جموعُ الكفرِ من المشركين واليهود والمنافقين الذين اجتمعوا على اختلاف عقائدهم تحت رايةٍ واحدة، والتفُّوا حولَ غايةٍ واحدة، هي وأدُ دعوةِ التوحيدِ، واستئصالُ عُصْبَةِ الإيمانِ، واستباحةُ دماءِ المسلمينَ وأعراضِهِم، وسلبُ أموالهم وديارهم، حشدوا لذلك العَدَدَ والعتادَ، فجاءوا بخيلهم ورَجِلِهِم، زادُهم الحقدُ الدفينُ، وشعارِهُمُ التربصُ بهذا الدين، وغايتُهم أن يَدُكُّوا حُصُونَ العقيدةِ وَيُخْمِدُوا نورَ الإيمانِ، فلا تقومُ للحقِّ قائمةٌ.
وإنما نادَى الله تعالى على عباده المؤمنين بوصفِ الإيمانِ؛ لأنه تعالى خصَّهم بهذه النعمة التي تمتدُّ بَرَكَتُها ويَصِلُ نفعُها إلى كلِّ مُنَعَّمٍ بالإيمانِ.
وسببُ هذه الغزوة: خروجُ كُبَرَاءِ اليهودِ بعدَ إجلاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لبني النضيرِ بسبب ما كان منهم من غدرٍ وتآمرٍ خرجَ كبراؤهم كَحُيَيِّ بنِ أَخْطَب وسَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَغَيْرِهِما إلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ يُحَرّضُونَهُمْ عَلَى غَزْوِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَوَعَدوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ النّصْرَ لَهُمْ. فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ، ثُمّ خَرَجُوا إلَى غَطَفَانَ: فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ ثُمّ طَافُوا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مَنْ اسْتَجَابَ.