الصفحة 44 من 69

لَمَا دُمْتُمْ بل لا تُمَتَّعُون إلا قليلًا، فالعاقلُ لا يرغب في شيء قليلٍ يُفَوِّتُ عليهِ شيئًا كثيرًا، فلا فرارَ لكم ولو كان لما مُتِّعْتُمْ بعد الفرار إلا قليلًا، فعلى فرضِ توهُّمهم أن الفرار ينجي من الموت أو القتل: فكم يعيشون وإلى متى يعمرون؟

وفي اللطائف:"... لأَن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا:"إنّ الهاربَ عمّا هو كائن في كفِّ الطالب يتقلبُ ... (وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاًَّ قَلِيلًا) : فإنّ ما يدَّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ أو قريبٍ لا يُبارَك له فيه، ولا يجدُ به مَنَعَةً، ولا يُرزَقُ منهُ غِبْطَةٌ" [1] ."

فالموت حتمًا ملاقيكم، فالجبانُ الرِّعديد الذي يهربُ من قدرِهِ المحتومِ وأجلِهِ المعلومِ يموتُ كلَّ يومٍ مرَّاتٍ ومرَّات، يرى الجُبنَ كياسةً وما هو إلا الحماقةُ بعينها:

قال جريرٌ:

قُلْ للجبانِ إِذا تأخرَ سِرْجُهُ * هل أنتَ من شَرَكِ المنيةِ ناجِ؟

وقال ابن نباتة السعدي:

وَمَنْ لمَ يمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيرِهِ تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحدٌ

وقال المتنبي:

يرى الجبناءُ أن العجزَ فخرٌ * وتلكَ خديعةُ الطبعِ اللئيمِ

"ويكفيك أن يقالَ في وصفِ الجبانِ إن أحسَّ بِعُصْفُورٍ طار فؤادُهُ، وإن طنَّتْ بعوضةٌ طالَ سُهادُه يفزعُ من صريرِ البابِ ويقلقُ من طِنينِ الذبابِ، إن نظرَ إليهِ شزرًا أُغْمِيَ عليه شهرًا، يحسَبُ خفوقَ الرياحِ قعقعةَ الرماحِ:"

(1) - لطائف الإشارات للقشيري 3/ 156

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت