في الخلق والصنع والتكوين مجرد (كلمة) ! إنها فعل الأمر: (كُنْ) ! الآمر بالتَّكَوُّن والتكوين، والتجلي من العدم إلى الوجود!
إن كلماته تعالى لا تذهب سدى في الكون، إنها بمجرد ما تصدر عنه - جلَّ شأنُه - تنشأ عنها ذواتٌ وحركاتٌ في تدبير شؤون الْمُلْكِ والْمَلَكُوت! إن كلامه تعالى إذَنْ خَلْقٌ وتقدير، وأَمْرٌ وتدبير! [1] ومن هنا كان وصف الله لعيسى عليه السلام - كما سبق بيانه - بأنه (كلمة الله) : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء:171) . وإنما جاء ذلك في سياق الرد على الذين زعموا أنه عليه السلام ابن الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - فقوله (كَلِمَتُهُ) دال على أنه تجلي إرادة الله من الخلق والتكوين! وهو ما بينه تعالى في الآية الأخرى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ!) (آل عمران:59) . ومن هنا كانت البشرى لمريم (كلمةً) ! كلمة غيرت مجرى التاريخ، وبَنَتْ صرحا شامخا في تاريخ النبوة! قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران: 45) . فكان المسيح عليه السلام هو الكلمة! القضية إذن هي في: (كُنْ فَيَكُونُ!) إنها (كلمة الله!) [2]
فكلام الله تعالى هو التعبير عن إرادة الخلق والتكوين، والتعبير عن قضائه الرباني وقَدَرِه الوجودي! وإن هذا القرآن العظيم لهو ترجمانه الأزلي، ودستوره الأبدي!
وعليه؛ فإنك إذ تتخلق بالقرآن وتتحقق بمعانيه؛ تنبعث أنت نفسك جنديا من جند الله؛ بل أنت آنئذ جزءٌ من قَدَر الله! وتدبر كيف جعل الله من
(1) فانظر كم كان خطأ المعتزلة شنيعا لما زعموا أن القرآن - وهو كلام الله - مخلوق!
(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 4/ 103.