أليس القرآن الذي نتلوه اليوم هو عينه القرآن الذي تلاه أولئك من قبل؟
فما الذي حدث لنا نحن أهلَ هذا الزمان إذن؟
ذلك هو السؤال! وتلك هي القضية!
لا شك أن السر كامِنٌ في منهج التعامل مع القرآن! وذلك هو سؤال العصر! وقد كتب غير واحد من أهل العلم والفضل حول إشكال: (كيف نتعامل مع القرآن؟) [1]
ولقد أجمع السابقون واللاحقون على أن المنهج إنما هو ما كان عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من أمر القرآن. فمن ذا اليوم يستطيع الصبر عليه؟ وإنما هو تَلَقٍّ للقرآن آيةً آيةً، وتَلَقٍّ عن القرآن حِكْمَةً حِكْمَةً! على سبيل التخلق الوجداني، والتَّمَثُّلِ التربوي لحقائقه الإيمانية العُمُرَ كلَّه! حتى يصير القرآن في قلب المؤمن نَفَسًا طبيعيا، لا يتصرف إلا من خلاله، ولا ينطق إلا بحكمته! فإذا بتلاوته على نفسه وعلى من حوله غَيْرُ تلاوة الناس، وإذا بحركته في التاريخ غير حركة الناس!
وهكذا صنع الرسول صلى الله عليه وسلم - بما أُنْزِلَ عليه من القرآن آيةً آيةً - نمَاذِجَ حوَّلَتْ مَجْرَى التاريخ! (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء:106) فلم تكن له وسائل ضخمة ولا أجهزة معقدة! وإنما هي شِعَابٌ بين الجبال، أو بيوتٌ بسيطة، ثم مساجدُ آمنة مطمئنة! عُمْرانُهَا: صلاةٌ ومجالسُ للقرآن! وبرامجها: تلاوةٌ وتعلمٌ وتزكية بالقرآن! بدءا بشعاب مكة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، وانتهاءً بمسجد المدينة المنورة، عاصمة الإسلام الأولى، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام! كانت البساطة هي طابع كل شيء، وإنما العظمة كانت في القرآن، ولمن تَشَرَّبَ - بعد ذلك - روحَ القرآن!
(1) منهم الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله.