فعندما تقرأ القرآن إذن استمع وأنصت! فإن الله جل جلاله يخاطبك أنت! وادخل بوجدانك مشاهد القرآن، فإنك في ضيافة الرحمن! هناك حيث ترى من المشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!
فاقرأ إذن كما استطعت وتعلم؛ لكن بحضور قلبي تام؛ كي تتزكى. فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله صلى الله عليه وسلم من التعليم والتزكية، كما مر في قوله تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) . فالتلاوة نور في نفسها. إنها - لو أبصرتها حقا - صلة مباشرة برب العالمين؛ ذكرا ومناجاة. إن العبد التالي لكتاب الله متكلم بكلام الله. وهذا وحده معنى عظيم في نفسه، فتدبر! وهو يمهد القلب ويهيئه للخطوات التربوية التالية.
-وأما الخطوة الثانية فهي التَّعَلُّم والتَّعْلِيم: وذلك لأحكام القرآن العظيم وحِكَمِه. إذْ خَيْرُ العلم إنما هو العلم بالكتاب، فعن عقبة بن عامر الجهني قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفَّةِ فقال: أيُّكُمْ يحب أن يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إلى بُطْحَانَ أو العَقِيقِ؛ فيَأْتِيَ مِنْهُ بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ [1] ، يَأخُذُهُمَا بغير إثْمٍ بالله عز وجل، ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ قالوا: كُلُّنَا يا رسولَ الله! قال: فَلأَنْ يَغْدُوَ أحدُكُم كلَّ يَوْمٍ إلى المسْجِدِ؛
(1) أهل الصُّفَّةِ: هم فقراء المهاجرين كانوا يبيتون بالمسجد النبوي. وأما بُطْحَان فهو: اسم واد قرب المدينة المنورة، وكذلك العقيق مثله. وناقتان كَوْمَاوَانِ: تثنية كوماء، وهي: الناقة العظيمة السِّنَامِ العالية. وزهراء: يعني سمينة، تميل إلى البياض من السِّمَنِ.