وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) [1] .
-وأما الخطوة الثالثة فهي التزكية بمنهج التََّدَبُّر:
والتزكية: هي عملية التطهير للنفس، والتربية لها بما يخلصها من مراعاة غير الله، للوصول بها إلى منزلة الإخلاص! قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:9 - 10) . وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ) : (يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص) [2] . ولذلك فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان حريصا على تطهير صحابته من الأهواء، والارتقاء بهم عبر مدارج الإيمان، إلى ما هو (أحسن عملا) . ولا أحسن من تخليص العبودية لله الواحد القهار، وتعبيد القلب له وحده دون سواه.
وانظر - رحمك الله - كيف ذكر التزكية قبل التعليم في الآيتين من آل عمران والجمعة، مع أنه لا تزكية بغير تعليم ابتداء، على ما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه قال: (باب العلم قبل القول والعمل) . وقد قُدِّمَ ذِكْرُ التعليم على التزكية - بناء على الأصل - في قوله تعالى من دعوة إبراهيم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (البقرة:129) .
صحيح أن العطف بالواو - في الآيات كما هو في العربية - لا يفيد الترتيب، لكن التقديم والتأخير في البلاغة يفيد الأهمية؛ ومن هنا جاءت
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الإمام الطبري، وكل ما رواه من الأقوال في الآية لا يكاد يخرج عن هذا المعنى، مثل قوله عن ابن جريج: (قال: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه) . جامع البيان: 1/ 558.