فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 101

التزكية في الآيتين الأوليين مقدمة على التعليم؛ من باب ذكر المقاصد قبل الوسائل؛ لشرف الغاية وعلوها؛ وحتى لا يفتتن السائر بالوسيلة عن الغاية؛ فيضل عنها، ويكون من الخاسرين.

وإذا كانت التزكية تربيةً وتنمية لعناصر الخير والإيمان في الإنسان حتى يصفو القلب لله وحده؛ فإنها إذن تحصيل مرتبة النفس الزكية، المتخلقة بالقرآن. وهذا أمر يبدأ في الحقيقة منذ اللحظات الأولى لشروع العبد في الاشتغال بكتاب الله تعبدا. أي منذ بدء عملية التلاوة أو عملية الاستماع للقرآن الكريم بمنهج التلقي، ثم عملية التعلم بمنهج التدارس. وليست التزكية متوقفة على الدخول في مرحلة منفصلة تمام الانفصال، كما بيناه قبل. وإنما التزكية هي عملية متواصلة، تنطلق بانطلاق الدخول في العتبات الأولى للقرآن الكريم تلاوةً وترتيلا، ثم تعلما وتعليما، وتدارسا وتدريسا، ثم يكون من المؤمن آنئذ ما يكون من التزكية المنمية لعناصر الخير فيه؛ فإذا به كحقل القمح الصالح يفيض بالرزق الوفير والبركات! وما أدق وصف النبي صلى الله عليه وسلم لأحوال الناس إزاء الهُدَى، فيما ضربه لذلك من مثل عجيب! قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدَى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكثير، أصَابَ أرضًا فكَانَ منها طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكثير. وكانتْ منها أَجَادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فنَفَعَ اللهُ بها الناسَ، فشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا. وأصابَ منها طائفةً أخرى إنما هي قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تُنْبِتُ كَلأً! فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ الله ونَفَعَهُ ما بعثني الله به؛ فَعَلِمَ وعَلَّم! وَمَثَلُ مَنْ لم يَرْفَعْ بذلك رَأْسًا، ولم يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الذي أُرْسِلْتُ به!) [1]

فهذه إذن أصناف ثلاثة: الصنف الأول منها: هو حال من قَبِلَ الهدى وتفقه في الدين؛ حتى كان منه ما كان من الصلاح لنفسه والإصلاح للناس؛ فانتفع هو ونفع الله به غيره! وهو أحسن الأصناف؛ لأنه أوعى قلبا، وأبْعَدُ

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت