أثرا، وأدْوَمُ فضلا. والصنف الثاني: هو حال من آمن ولم يتفقه في الدين، لكنه أسهم في نقل الخير - مما سمع وتعلم - إلى الناس، فكان منهم الذين يتدارسونه ويتفقهون فيه. وأما الصنف الأخير فهو حال من أعرض عن الوحي، ولم يقبل هدى الله؛ فكان من الخاسرين!
فالصنف الأول إذن؛ الذي مَثَلُه مَثَلُ الأرض الطَيِّبَة التي قَبِلَتِ الْمَاءَ - يعني القرآن - فَأَنْبَتَتِ الكَلأ والعُشْبَ الكثير! وذلك بسبب أنه (فَقُهَ في دِينِ الله ونَفَعَهُ ما بعثني الله به؛ فَعَلِمَ وعَلَّم!) كما في الحديث؛ هو الصنف الذي سار في تلقيه عن الله على منهج القرآن مما حُدِّدَ في وظائف النبوة من مراحل، من تلاوة وتدارس؛ لأن بذلك يكون الفقه في الدين أو لا يكون! والـ (فقه) هنا في الحديث ليس بالمعنى الاصطلاحي الضيق، من المعرفة بالأحكام الشرعية التكليفية، بل هو بمعناه القرآني الشامل، الذي يجمع كل معاني العلم بالله، وبالحقائق الإيمانية، وما يقتضيه ذلك كله من الحكمة. وهو مقصود قوله تعالى في الآية: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) . ذلك هو الفقه في الدين. وهذا كما تبين إنما هو نتيجة التفاعل مع المراحل الأولى من وظائف النبوة. وهو عين التزكية.
فالتزكية إذن هي أشبه ما تكون بنتيجة للتلاوة والتدارس لكتاب الله. إلا أن هذه النتيجة لن يتم استثمارها على الحقيقة، ولا تحصيلها على التمام إلا إذا الْتُقِطَتْ بمنهج التَّدَبُّر؛ إذ التَّدبُّر - كما سترى بحول الله - هو الذي يورث القلب الاعتبار، ويمنح النَّفْسَ العزيمةَ على الدخول في الأعمال. فالحقائق الإيمانية والحِكَم القرآنية لا تصطبغ بها النفس إلا عند التدبر والتفكر! وذلك هو معنى التخلق بأخلاق القرآن، حيث تصبح تلك الحقائق وتلك الحِكَمُ خُلُقًا طبيعيا للمسلم. على ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه: (كان خُلُقُه القرآن!) [1]
(1) رواه مسلم.