والتَّدبُّر وإن كان أمرا ممكنا حصوله مع الخطوتين السابقتين؛ إلا أنه لابد لتحصيل نتائجه التخلقية بصورة تربوية صحيحة، تورث زكاة النفس وجمالها؛ من أن تكون له في النفس والوجدان خطوة خاصة! يتفرغ القلب لها بجامع شعوره وكامل حضوره؛ لاستخلاص الهدايات التي وردت بها الآيات، واستخلاص سُبُلِ التخلق بها! خطوة خاصة تلي عملية التلاوة والتعلم أو التدارس، لكنها لا تنتهي بنهاية المجلس الذي عقدته لهذه الغاية، بل تستمر في النفس حركةً وجدانيةً لا تتوقف أبدا! وتلك هي ثمرة القرآن الكريم التي يتذوقها الربانيون حقا! وهي غاية الوظيفة النبوية من البلاغ الرسالي في قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِمْ) .
فما التدبُّر إذن؟ وكيف يكون؟
تقول: تَدَبَّرَ الشيء في - اللغة - يَتَدبَّرُه بمعنى: تَتَبَّعَ دَوَابِرَه، أي نظر إلى أواخره وعواقبه ومآلاته، كيف هو إذا صار إليها؟ وكيف يكون؟ جاء في لسان العرب: (ودَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره: نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه: رأَى في عاقبته ما لم ير في صدره؛ وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبُّرًا أَي بأَخَرَةٍ( ... ) والتَّدْبِيرُ في الأَمر: أَن تنظر إِلى ما تَؤُول إِليه عاقبته. والتَّدَبُّر: التفكر فيه) [1]
أما التَّدَبُّر في الاصطلاح القرآني فهو: أنك إذْ تقرأ الآيات، وتتعلم وتدرس؛ تنظر إلى مآلاتها، وعواقبها في النفس وفي المجتمع؛ فتبصر حقائقها الإيمانية إبصارا؛ فتكتسب بذلك من الصفات الوجدانية، ما يعمر قلبك بالإيمان، ويثبت قدمك في طريق المعرفة الربانية، ويضعك على صراط السير إلى التخلق بأخلاق القرآن. وبيان ذلك هو كما يلي:
إن منطلقك الأساس، في طريق المعرفة الربانية هو: أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه. ولذلك جاء الخطاب القرآني يحمل أمْرَ القراءةِ للقرآن؛ تلاوةً وترتيلًا، وأمْرَ التعلمِ للقرآن مدارسةً وتدبرا.
(1) لسان العرب، مادة: (دبر) .