فيَتَعَلَّمَ آيتين من كِتَابِ الله عزَّ وجلَّ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ناقتين! وثَلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأرْبعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أرْبعٍ! ومِنْ أعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ!) [1]
وتحصيل العلم بالكتاب للنفس أو تلقينه للغير، إنما يكون بمنهج الدراسة والتدارس لآياته وسوره مبنى ومعنى؛ لقول الله تعالى: (وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79) . فقد قُرِئَتْ (تَعْلَمُونَ) و (تُعَلِّمُونَ) فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها في الفهم والعمل أولى: التَّعَلُّم والتَّعْلِيم. وأقل ذلك أن تكون أحَدَهما: معلما أو متعلما. بيد أن العلم ههنا إنما هو ما أفاد العمل. على قاعدة علماء مقاصد الشريعة: أن (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل) . وعلى هذا يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما!) [2] وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لم يبعثني مُعَنِّتًا ولا مُتَعَنِّتًا؛ ولكن بعثني مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا) [3] . أي: معلما أعمال الخير والصلاح للعالمين، بمنهج حكيم.
فالمقصود بقوله تعالى: (تَدْرُسُون) - من آية آل عمران المذكورة - يعني تدرسون الكتابَ نفسه، على اعتبار أن الدراسة والتدارس أو المدارسة هي منهج التعلم، كما ذهب إليه الإمام الطبري رحمه الله [4] . والتدارس للقرآن الكريم هو المنهج التعليمي الكفيل بالوصول بالدارس إلى الحكمة، التي بمقتضاها يصير (ربانيا) . وقد روى ابن جرير الطبري رحمه الله - عن ابن عباس وعدد من التابعين - تفسير (ربانيين) في الآية؛ بأنهم: (الحكماء الفقهاء) [5] .
(1) رواه مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان والبيهقي والطبراني.
(2) رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن كما في صحيح الجامع الصغير:1609
(3) رواه مسلم.
(4) جامع البيان: 3/ 328.
(5) جامع البيان: 3/ 325 - 326.