يحضرون مجلسًا تشهده الملائكةُ هم في الحقيقة (جُلَسَاءُ الْمَلائِكَةِ) ! ومَنْ جَالَسَ قوما فهو منهم! وما أجمل تعبير النبي - صلى الله عليه وسلم - في مَثَلٍ ضَرَبهُ لجلساء الخير وجلساء الشر، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المِسْكِ ونافخ الكير، حاملُ المسك إما أن يُحْذِيَكَ، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة! ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابَك، وإما أن تجد ريحا خبيثة!) [1] ولَمَجْلِسٌ يجتمع فيه الناس على القرآن خيرٌ من الدنيا وما فيها! كما سترى بحول الله. فأبشروا (جُلَساءَ الملائكةِ) بالخيرات والبركات!
ومن هنا؛ كانت مجالس القرآن هي خير أنواع مجالس الذكر، التي تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها محبوبة عند الله، مذكورة في ملئه الأعلى، تشهدها الملائكة، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في من عنده. وليس شيءٌ أفيدَ منها في تربية الإنسان المسلم على الصلاح والفلاح. وهي من أهم الوسائل التربوية التي لا غَبَشَ فيها ولا غبار، من حيث استنادها إلى الأدلة المتواترة بالمعنى، عبر الأحاديث الوفيرة المستفيضة. نذكر منها الحديث المشهور، الذي رواه أبو هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والذي فيه: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه!) [2]
وكذلك الحديث المتفق عليه، الذي رواه أبو هريرة أيضا، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فضلا عن كتاب الناس، يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذِّكْر، [وفي رواية مسلم: مجالسَ الذِّكْر] فإذا وجدوا قوما يذكرون الله [وفي رواية
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.