فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 86

الضرورية. الأمر الذي يجعل في كثير من الأحيان الدولة تتدخل في تحديد الأسعار ومحاولة التحكم في مسارها لتفويت الفرصة على المضاربين والمحتكرين وضمان وصول السلعة إلى المستهلك بسعر مناسب. لكن هذه الطريقة لم تحل المشكلة حلا نهائيا بحيث يلجأ الكثير من التجار إلى توجيه منتوجا تهم إلى الأسواق غير الرسمية (اللاشكلية) للتهرب من الالتزامات المفروضة عليهم وكثيرا ما يزيد هذا من حدة المشكلة ولا يؤدي التسعير الجبري الأهداف التي وضع من أجلها.

إن المشكلة في حقيقة الأمر مركبة من عوامل متعددة أغلبها يتعلق بسلوك التاجر والوسطاء، فضمان الاستقرار لحركة الأسعار والحفاظ على القدرة الشرائية للمستهلك يتوقف على معالجة هذه العوامل كلها.

وقد سلك الإسلام في طريقه إلى مراقبة الأسعار السبيل الفعال الذي لا يترك عاملا من العوامل المؤثرة في حركة الأسعار إلا وحدده، ووضع له الأطر التي يتحرك ضمنها ولذلك فإن الالتجاء إلى التسعير الإجباري هو حالة استثنائية تفرضها ظروف خاصة. حيث يقول بن تيمية في كتاب الحسبة:< فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشئ وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق) ويلاحظ أنه قد أشار في هذه الجملة إلى قانون العرض والطلب، أي له إذا كان العرض والطلب المطلقين هما اللذان حددا السعر فليس للدولة التدخل في حرية السوق.

ثم يعود بن تيمية ليذكر الحالات التي يجب على الدولة التدخل فيها للتسعير: < لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه. والناس في مخمصة فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ولو امتنع عن بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره وقال أيضا: < وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب ألا يباع إلا بسعر المثل إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة >.

وقد وضعت الشريعة الإسلامية للتسعير ضمانا لعدالته وهو أن يكون أساسه مشورة أهل الخبرة أو مكن لهم دراية واسعة بالشؤون التجارية وتقلبات الأسعار وأسبابها من أهل السوق وغيرهم. كل ذلك لكي لا يستبد ولي الأمر بالحكم في شيء يجهله، فيعود حكمه حينئذ على أساس التسعير بالظلم، وفي هذا ما فيه إتلاف أموال الناس أو ظلم التجار الذي يترتب عليه إخفاء الأقوات والسلع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت