أوضاع النحو؛ لأن هذه المسألة يجيب عنها من يتعاطى المنطق وينظر فيه، فلم نجد بدًا من مخاطبتهم من حيث يعقلون، وتفهيمهم من حيث يفهمون" [1] . ولعل هذه العبارة كافية للدلالة على منهج الزجاجي من حيث الأخذ بمقولات المناطقة حين يكون الأمر أمر اضطرار. وعلى الرغم من محاولات الزجاجي المستمرة في التفرقة بين"أوضاع النحو"و"أوضاع المنطق"، إلا أن الأمر كان أكبر من محاولات التفريق؛ لأن الثقافة المنطقية كانت آنذاك مكونًا فكريًا حيًا، وبخاصة أنها ذات صلة وثيقة بأمر اللغة التي كانت مناط اهتمام الفكر العربي. ومن ثم فإن مثل هذه المحاولات في التفرقة لم تستطع أن تبني لنفسها منهجًا مستقلًا تمام الاستقلال عن المنطق اليوناني، ولذلك فإنها كانت تقاوم أوضاع المنطق في موضع، وتأخذ بها في موضع آخر."
لقد كان نحاة القرن الرابع مطالبين بالدليل والبرهان على ما قاله سيبويه. يقول الزجاجي"فإن كنتم قبلتم ذلك عنه من غير برهان ولا حجة فأنتم في عمياء وشبهة، فما دعاكم إلى قبول ذلك منه وقد علمتم أن النحو علم قياسي ومسبار لأكثر العلوم لا يُقبل إلا ببراهين وحجج" [2] . ولعل مؤلفات الزجاجي تعكس هذه الحقيقة في مواضع كثيرة. وعلى ضوء ذلك فإننا نتحدث هنا عن تطور الحد النحوي عند الزجاجي.
من الواضح أن الزجاجي قد استوعب قضية الحد المنطقي استيعابًا طيبًا تكشف عنه تلك الصفحات التي عقدها حول اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف، فهو يروي على لسان المناطقة أن الحد هو قول وجيز"يدل على طبيعة الشيء"
(1) 71 - الإيضاح في علل النحو ص 47. ويشير فرستيغ إلى أن الزجاجي هنا قد أخذ تعريفات الفلسفة من مقدمة الفارابي لكتاب (المدخل إلى المنطق = ايساغوجي) -انظر:
(2) 72 - الإيضاح ... ص 41. ومعنى ذلك أنه كانت هناك في القرن الربع دعوى باعتبار النحو آلة لبقية العلوم، وهى تماثل دعوى الفلاسفة باعتبار المنطق أيضًا آلة لبقية العلوم.