في مفتتح هذه الدراسة أود أن أشير إلي نقطة أساسية مؤداها أن القول بوجود مؤثرات خارجية في النحو العربي لا يعني إطلاقًا أن هذا النحو كان تقليدًا خالصًا لمصادر هذه المؤثرات. فلقد استطاع النحاة العرب أن يقيموا نظامًا نحويًا شاملًا تأثروا بغيرهم في بعض مواضعه، وكانوا علي أصالة تامة في مواضع كثيرة أخرى. ومن هنا فإن هذه الدراسة تحاول أن تقدم تحليلًا موضوعيًا لقضية المؤثرات الخارجية وفق منهج محدد، وفي إطار السعي - قدر الممكن- لتجنب أي قسر للحقائق.
ولقد قامت هذه الدراسة على أساس التفريق بين مرحلتين في النحو العربي:
* مرحلة ظهور كتاب سيبويه.
* مرحلة الفكر النحوي في القرن الرابع الهجري.
وبالنسبة للمرحلة الأولى فقد كان أقوى المطروح بخصوص التأثير الخارجي فيها هو دراسة المستشرق الهولاندي (كيس فرستيغ) في كتابه (عناصر يونانية في التفكير اللغوي عند العرب) حيث خصص الفصول الأربعة الأولى للتدليل على فرضيته القائلة بتأثر نشأة النحو العربي -متمثلة في كتاب سيبويه- بالنحو اليوناني. ولقد كان لي من هذه الفرضية وقفتان؛ تجسدت الأولى منهما في رسالتي للماجستير التي حصلت عليها عام 1982 م في موضوع (أثر المنطق الصوري في نحاة القرن الرابع الهجري) ، حيث خصصت الفصل الأول فيها لبحث قضية التأثير اليوناني في كتاب سيبويه، وحيث كنت آنذاك أميل إلى الأخذ برأي فرستيغ. أما الوقفة الثانية فقد تمثلت في الدراسة التي قدمت بها لترجمتي لبعض فصول كتاب فرستيغ. وقد صدرت الدراسة والترجمة في كتاب مستقل عام 2001 م. وهناك قدمت ما أتصور أنه تفنيد علمي لفرضية فرستيغ، ومن ثم فكأنني قدمت - ضمنًا- تراجعًا عن وقفتي الأولى في مرحلة الماجستير.
أما بالنسبة للمرحلة الثانية الخاصة بتأثر الفكر النحوي في القرن الرابع الهجري بالثقافة المنطقية اليونانية فقد ظللت على اقتناع بأن ما قدمته حولها يستحق