إذا كانت هذه الدراسة تهدف إلى بحث التأثيرات التي أوجدها المنطق في النحو العربي في فترة محددة هي القرن الرابع الهجري، فإننا نحاول هنا أن نعطي إشارة سريعة في رصد العلاقة التي ربطت البحوث المنطقية بالدراسات اللغوية تأثيرًا وتأثرًا، وذلك حتى يتسنى لنا وضع القضية مع النحو العربي في إطارها العام من الفكر اللغوي الإنساني.
ويمكن القول إن ملاحظة تطور العلاقة بين المنطق والدرس اللغوي تؤكد توثق هذه العلاقة منذ بدأ اليونان فكرهم الفلسفي، حتى لتكاد تختلط بداية كل منهما بالآخر أمام من يحاول الفصل والتمييز. يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي:"إن نشأة المنطق نفسه مرتبطة بالنحو. فقد بدأت البذور الأولى للمنطق عند اليونان في أبحاث السوفسطائية الخاصة باللغة والخطابة والنحو بوجه أخص ..." [1] . ويقول دبسون:"لقد قام بروتاجوراس ببعض الدراسات الأولية في النحو كأساس للمنطق" [2] .
ولكن التداخل الحقيقي بين المنطق والدرس اللغوي يبدو واضحًا عند أرسطو. فلقد ساعدته معرفته بخصائص اللغة اليونانية ـ وكذلك أفكار من سبقوه ـ على وضع منطقه الذي نجد فيه ما هو من صميم البحث اللغوي. كما نجد كثيرًا من الأفكار التي أصبحت فيما بعد مدارات أساسية في الدرس اللغوي، حتى ليقول بعض الدارسين إنه"من الصعب رسم خط فاصل بين الكتابة المنطقية والكتابة النحوية عند أرسطو" [3] . إن بابًا كاملًا من أبواب المنطق الأرسطي ـ ونعني به باب
(1) 1 - د. عبد الرحمن بدوي: المنطق الصوري والرياضي، ص 33.
(2) 2 - ج. ف دبسون: خطباء اليونان، ترجمة أمين سلامة - ص 17 وللمزيد من آراء بروتاجوراس اللغوية انظر: