-صورة الصعلوك: حياة الصعاليك حياة شقية بما فيها من مخاطر وأهوال وغزو , ولذا فإن الشاعر تأبط شرا يرسم لنا لوحة نرى من خلالها الملامح التي يتسم بها , فهو خفيف وسريع يسابق وفد الريح , وهو منتبه متيقظ حرص , يقول تأبط شرا [1] :
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتداركِ
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئٌ من قلب شيحان فاتكِ
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلة من صارم الغرب باتكِ
إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذُ أفواه المنايا الضواحكِ
حين ننظر في هذه القطعة تترسم أمام أعيننا تلك الصورة الشقية للصعلوك وهو في الفلوات يسابق وفد الريح"متجلدا طموحا كثير الأسفار، يفضل المسالك الوعرة، يبيت وحيدا بتلك الأرض الواسعة ويعتلي ظهور المهالك الخ" [2] صورة شاركت في رسمه الألفاظ وما لها من جرس وإيقاع نرى الأفعال (يسبق -ينتحي - حاص -يجعل -هزه) وهي أفعال كما نرى تشع بما يوحيها معناه من القوة والجلادة تتفق مع صفات الصعلوك. كما نرى المقطوعة تحفل بالجمل الفعلية (يسبق وفد الريح - ينتحي بمنخرق- حاص عينية الخ .. ) والجملة الفعلية بما تحمل من دلالة الحركة , وكأن حياة الصعلوك لا تثبت على حال وإنما هي فيه حركة واضطراب. وذلك لأن الصورة تتكامل بالألفاظ التي تشكل فيها وقعا وجرسا موسيقيا"فالصورة الأدبية مرتبطة بالمعاني اللغوية للألفاظ وبجرسها الموسيقي ومعانيها المجازية، وحسن تأليفها بحيث يكون تأثيران: أحدهما معنوي عاطفي، الثاني موسيقي يعين قوة العاطفة" [3] . فالموسيقى بنوعيها تضيف بعدا لا يمكن إغفالها في تحقيق وتقوية الصورة الفنية الكلية"ويمكن في إطار الصورة الكلية دراسة تفاعلات الصورة مع الأوزان الموسيقية المصاحبة لها داخل النص الواحد (القصيدة) كالبحر والقافية وأشكال من الإيقاع الشعري كالجناس ورد"
(1) - ينظر: تأبط شرا (ديوانه واخباره) , تحقيق علي ذو الفقار شاكر , ط (1 دار الغرب الإسلامي ,1404 ه- 1984 م) 152
(2) - حسني عبد الجليل يوسف , الأدب الجاهلي قضايا وفنون ونصوص ,ط 1 (لقاهرة: امؤسسة المختار , 1421 ه- 2001 م) 189
(3) - أحمد الشائب ,أصول النقد الأدبي, ط 10 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية , 1994 م) 244