العربية عددا كبيرا من انتاجاتهم الفكرية وإسهاماتهم العلمية، التي تدل على ما امتلكوه من غزارة العلم والمعرفة وسعتهما،"وتدل على ما وصل إليه التفكير العربي، سواء قبل تأثرهم بالفلسفات المترجمة أم بعده" [1] ، فتابع العلماء و الشعراء والأدباء ما جادت به قرائحهم محللين ومفسرين، ومفاضلين وحاكمين بينهم، على أسس نقدية، وصلوا إليها بالاستقراء، ووضعوا لها القواعد والنظريات. كما سلط النقد الأدبي كل أضوائه على النص وجمالياته كثيرا مما جعله يهتم بالبلاغة بفروعها الثلاثة، علم المعاني، والبيان، والبديع، اهتماما كبيرا، مما جعلها تحتل مكان النقد الأدبي من حيث هو عملية تفسير وتقييم للنص الأدبي من الوجوه الشكلية و المضمونية، وقد تسبب ذلك في جعل النص بنية من الصور البيانية حينا، وجملا منظومة أخرى، وجرسا من البديع والموسيقى ثالثة، بل وصل بهم الأمر لتعريف الشعر بأنه صياغة وضرب من النسيج وجنس من التصوير.
ولعل أبا هلال العسكري واحد من أولئك العلماء الذين أخذوا على عاتقهم بيان ما يحويه البيان العربي من جماليات أخّاذة على مستويات الخطاب فيه، رغبة منه شأنه في ذلك شأن غيره من العلماء الوصول إلى تدبر البيان القرآني ومعرفة سر إعجازه، وذلك في كتابه الصناعتين، هذا الكتاب الذي وضع فيه أبو هلال العسكري ما وصل إليه من علوم ومعارف تتعلق بالبيان العربي، في كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي أشعار العرب ونثرهم. ويعد هذا الكتاب مرحلة من مراحل انتقال النقد الأدبي عند العرب إلى بلاغة بما له من أسس وتقسيمات وأبواب وفروع. ونحن في هذه الدراسة سنتتبع ما في هذا الكتاب من روعة البيان، مهتدين بآراء العسكري وأحكامه النقدية, ونظراته البلاغية، مكتفين على تلمس الجانب الجمالي فيه، وفق الدراسات الجمالية الحديثة التي ظهرت في الدراسات النقدية المعاصرة، سائلين المولى القدير بمنه وكرمه التوفيق و السداد، وأن يفتح لنا من فتوحاته إنه الفتاح العليم.
(1) - ينظر: الدكتور محمد تحريشي , النقد والإعجاز (دمشق: منشورات إتحاد الكتاب العرب , 2004) ص 9