فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 120

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبة وسلم، وبعد:

فإن إدراك الأسس الجمالية في النصوص الأدبية، والسعي إلى تفهمها وتذوقها، غاية سامية لذى أصحاب العقول السلمية والأذواق الراقية، به يسمون به بفكرهم الخلاق وعواطفهم الجياشة التي يحوكها فنهم البديع. وما زال النقد العربي منذ وجد يتتبع مواطن الجمال الفني في النصوص الأدبية ويشيد بها، ويعلي من قدرها وقدر أصحابها، فلقد وقف العربي بفطرته السليمة الصافية مستغربا ومعجبا وطربا لهذا البيان الصادق الذي يصدر عن روح ملأ الجمال جوانبها فهي تخفق في فضاءاته، ومن هنا ترى أن العرب قد نصبوا لهذا البيان العجيب بشعره ونثره أسواقا يتبارون فيها، ويتناشدون فيها أجود ما تجود به قرائح شعرائهم، وما تلهج به ألسنة خطبائهم، وجعلوا لتلك المجالس محكمين يفصلون بين المتبارين على أسس من الذوق السليم لجماليات النصوص التي تلقى على مسامعهم. وحين نزل القرآن العظيم وقد نزل بجنس ما برعوا فيه من آلات الفصاحة والبيان، أذهلهم بروعة أسلوبه، وحسن ألفاظه وجلالة معانية، وسلاسة كلماته ونظمه البديع، فوصفوه بأنه شعر وسحر وكهانة، والقرءان يأسر وجدانهم ويغزو قلوبهم، فينكسر كبرياؤهم أمام روعة هذا البيان، فلا يجد أحدهم إلا أن يعلن إسلامه لله رب العالمين. وهم يسمعون آياته ليل نهار من النبي صلى الله عليه وسلم، مسترقين السمع أحيانا، وجهارا أحيانا أخرى. كما وصفحالهم القرآن بقوله تعالى: [1]

وهكذا أصبح القرآن الكريم منبع العلوم وحامل لوائها، فحوله ومنه قامت دراسات شتى، من فقه وتفسير وحديث ونحو وصرف وغيرها، ومع ذلك ما زالت جذوة الشعر و الإبداع ملتهبة، وما زال ميدان الشعر والنثر ميدانا فسيحا رحبا. ومن ذلك الحين أخذ العلماء ينظرون في سر الإبداع ومكان الروعة في البيان سواء أفي القرءان الكريم والبيان النبوي الشريف، أم في الشعر العربي منذ الشعر الجاهلي. فبذل العلماء جهودا كبيره في البحث والتنقيب لإدراك أسراره وسبر أغواره، وعرفت المكتبة

(1) - سورة الإسراء: الآية 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت