حاضرة). إِنَّ طبيعة النَّظْم هذِهِ تجعل القصيدة تلتحم ببعضها في وحدة متناهية تشيع فيها الحياة بكل عنفوانها وتعكس حالة الانفعال الحادّ الذي طغى على نفس الشَّاعر.
ولو تأَمّلْنا النَّصَّ بدقةٍ أَكبر لوَجَدْنا أنَّه جملة واحدة لكِنَّه مُجّزأً بِحَرفية عالية كفلت له الوضوح وسهولة المتابعة فالمُفرَدات وحش وقَفْر وضَحّاكة الثَّغْر وحاملة نعوت لـ"حاضرة"وهي صفات مقطوعة للذم يجعلها تحدث تنبيهًا مفاجئًا للمتلقِّي وتأتي المُفرَدات خانق ولقمة معطوفة على حاضرة وتقدير الكلام: سَئِمْنا عيش حاضرة، سَئِمْنا عيش خانق، سئمِنْا عيش لقمة. إِنَّ هذا اللون مِنْ البناء يضمِنْ ترابط النَّصِّ ووحدته وتنَوّع الجُمَل فيه يكون ظاهريًا وهو في الحَقِيقَة جملة واحدة مبنية على المضاف والمضاف إليهِ (عيش حاضرة) .
مِنْ مظاهر مَيْل الشَّاعر إلى النَّمَط الفِعْلي في بناء الجُمَلة اختياره صورة المصدر المؤوَّل وإيثارها على المصدر الصريح وتوظيف المصدر المؤوَّل في بناء الجُمَل ليَسدَّ مَسَدَّ عنصر مِنْ عناصر الإسناد في الجُمَلة، فالمصدر المؤوَّل يمتلك دلالة على التجدُّد بخلاف المصدر الصريح الدال على صفة الثبات والدوام [1] ، فشيوع استعماله في النَّصِّ يعكس فاعلية النَّصِّ وحركته الدائبة.
وآثر الجواهري توظيف المصدر المؤوَّل لِيَكونَ طَرَفًا رئيسًا في الإسناد أو عنصرًا مُكمِّلًا له، إِنَّ هذِهِ الظاهرة تشيعُ لدى الشَّاعر في مراحل حياته على امتدادها [2] .
فقال في قصيدة"إلى المِنْاضلين" [3] :
تُريدونَ أَنْ تستقيمَ الأمورُ ... وأَنْ يَخلُفَ"الأخبثَ"الأطيبُ
وأَنْ تجمَعوا الشَّملَ مِنْ أُمَّةٍ ... يفرِّقُها"الجَدُّ"و"المَذْهَبُ"
وأَنْ يأكل"الثمرَ"الزَّارعون ... وأَنْ يأَخذَ"الأرضَ"مَنْ
(1) في النَّحْوِ العربي، نقد وتوجيه: 316.
(2) على سبيل المثال وليس الحصر ينظر الديوان: 2/ 331 و 3/ 68، 134 و 4/ 336 و 5/ 177، 181، 196، 197 198، 199، 201، 234 و 6/ 210، 211، 213، 214، و 7/ 44.
(3) الديوان: 3/ 170.