4.تَصَرُّف الشَّاعر في المُفْرَدَةِ مِنْ خِلالِ تِحْويرِها واشْتِقاقِها وَجَمْعِها وما يُضفيِهِ عَليْها مِنْ سِماتِ الحَيَويّةِ والجِدّة.
يُعَدُّ القُرآن الكريم مَصْدَرًا مُهِمًَّا مِنْ مَصادِرِ اللُّغَة وَقَدْ اكْتَسَبَ الجواهري مَعرفةً بالقرآنِ مُنْذُ طفولَتِهِ لكونِهِ عاشَ في بيئَةٍ دينيَّة وَنَشَأ فيها سَواء في مُحيطِ أسرَتِهِ أمْ في مُحيطِ النجف بِوَصْفِها مِنْ المراكِزِ الدينيَّةِ الرَئيسِيَّة في العِراق وَقَدْ كان القُرآنُ مادَّةَ التعلُّمِ في مِثْلِ هذِهِ البيئَة فكانَ يَحْفِظُ نُصُوصًا عَديدَةً مِنْهُ مجاراةً لطبيعة الدَّرْسِ آنذاك.
وَقَدْ زَخَرَتْ قصائِدُ الجواهري على اختلاف أَغْراضها وموضوعاتها باللَّفظ القُرآني بل والتعابير القرآنية ولا يقتصرُ ذلِكَ على مَرْحَلَةٍ مِنْ مراحِلِ حياتِهِ الشِّعرية دُوْنَ سِواها بل يشمِلُها كُلَّها.
إِنَّ النَّصِّ الشِّعريَّ لَدى الجواهري مُطَّعَمٌ بالقرآن الكريم وهو لا يَتَحَّرجُ مِنْ استعمال اللفظ القرآني في عَبَثِهِ وَمُجُونِهِ مِمّا يعني أَنَّه يستفيدُ مِن النَّصِّ القرآني بِوَصْفِهِ نَصًَّا لُغَويًّا مُتَمَّيزًا فيه مِن الخَصائِص الفَنيَّة الجميلة ما فِيهِ، أَمّا الجانب الأَخْلاقي فلاَ يُعِيرهُ اهتمامًا كبيرًا.
ويَمْنَح الجواهري نَفْسَهُ حُرِيَّةً في تَحْوير بعض التَّراكيب القُرآنية لتُناسِبَ رَغْبَتَهُ في التَّصرُّف بالمُفْرَدَة مراعاةً للوزن في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى رَغْبَةً في استنفاد صُوَر أُخْرى للمُفْرَدَة القرآنية سواء عن طريق جَمْعِها أو تحويلِها مِنْ صُوْرَة الجَمْع إلى صورة المُفْرَد أو تَحْوير في صَوْغِ المُفْرَدَة.
وتَظْهَرُ في بَعْضِ المَواضِعِ براعَتُهُ في اختيار اللَّفظة القُرآنيِّة وتوظِيفْها في النَّصِّ الشِّعري بِشَكْلٍ مُوْحٍ فينتفعُ مِنْ دلالة المُفْرَدَة أو التَّرْكيب مِمّا يَعْكِسُ هَيْمَنَة الشَّاعر وخِبْرَتهُ الواسِعة في القُرآن ومُفْرَداتِهِ ونحن لا نَذْهَبُ إلى أَنَّ الجواهري وَحْدَهُ هو الشَّاعر الذي انتفع مِنْ القرآن الكريم بل سبقه عدد مِنْ شعراء العربيّة الكبار إلى ذلِكَ، لكِنَّ الذي يَتَمَيّز به الجواهري هو هَيْمَنة المُفْرَدَة القرآنيّة عليه إلى الحَدّ الذي يَنْدُر أَنْ تأتي مُطَوّلَةٌ مِنْ مُطَوَّلاتِهِ خاليةً مِنْ أَثَر القرآن.