وقال: ونزلتَ حيثُ تذوبّت ... غُرُّ الجماجم من عصور
وقال: أضفيت قافية تُشِعُّ ... على"قصيدٍ!"من عشير
وقال: واكبْتَ ركب البائسين ... وجُبتَ مُتَرفةَ القصور
وقال: ما زلت تقدح من زِنا ... دِ الفكر موهوبًا فتوري
وقال: ونَحَتَّ من عود الطغاةِ ... وقد جسا نحت الشَّجير
وقال: وسحقتَ"ديدان"الزعا ... مةِ أفرختْ بين الجحور
وقال: وأطرت من تلك"النّحو ... س"مُعشِّشات في الوكور
ويكرر نداء"معروف"في أربعة مقاطع، ولا شك في أن الشَّاعر كان حريصًا على أن يصل إلى استنفاد الصورة الكاملة الَّتي كونها في ذهنه لما ينبغي أن يقول في رثاء شاعرٍ كبير مثل الرصافي.
تبين من تتبع البحور الَّتي نظم بها الشَّاعر قصائده الطويلة أنّ أكثر البحور دورانًا في شعره هو البحر الكامل فاستعمله في اثنتين وعشرين قصيدة واستعمل مجزوء الكامل في ثلاث عشرة قصيدة، ثُمَّ البحر البسيط في ثماني عشرة قصيدة فالطويل في سبع عشرة قصيدة فالمتقارب في ست عشرة قصيدة فالوافر في خمس عشرة قصيدة والخفيف في خمس عشرة قصيدة أيضا ثُمَّ الرَّمل في أربع قصائد والمديد في ثلاث والرجز والسريع في كل واحدة لكل منهما.
ونتبين كذلك أن الشَّاعر مولعٌ بالأوزان التامة على غرار شعراء العربية الكبار فأكثر المجزوءات الَّتي استعملها كانت مجزوء الكامل كما تقدم ومجزوء الرمل والرجز في ثلاث قصائد ومجزوء الوافر في قصيدتين ومجزوء الخفيف في قصيدة واحدة.
إن كمية القول في البحور التامة أكثر من البحور المجزوءة وذلك شاهد على براعة الشَّاعر وقدرته اللُغَوية الَّتي مكنته من استثمار طاقات اللغة بكل جوانبها على نحو واسع.
واستطاع الجواهري أن يخفف من الرتابة في امتداد القصيدة على صدر وعجز بينهما فاصل بواسطة تقسيم القصيدة إلى مقاطع ثُمَّ استثمر قدرته على التصوير والتنويع في طرح المضامين، وقد حرص على التنويع في شكل القصيدة فإلى جانب القصيدة العمودية هناك القصيدة الَّتي نوّع فيها في القافية وقد نظمها الشَّاعر على شكل أشطار وزع مقاطعها بطريقة تقترب من صنيع شعراء المهجر فتقترب بعضها من الموشح. ولم يخف الجواهري تأثره بشعراء المهجر كأيليا أبي ماضي وجبران فقال:"أنا تأثرت بجبران كثيرًا في طفولتي وقد يكون له حتَّاالآن أثر في نفسي من حيث لا أشعر، باطنًا في أعماق ذاتي أثر فيّ بإيمان وليس ببيان فقط"