فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 191

نَثْرةً أَصْبَحُوا وكانُوا كَحَّبا ... تٍ الثُريّا تُلَمُّ في عُنْقُود

إِنَّ انتشار هذِهِ الظَّاهرة في شعر الجواهري يُعَدُّ جُزْءًا مِنْ تَصَّرف الشَّاعر في اللُّغَة مِنْ خِلال قُدْرَتِهِ على رَصْفِ الكَلِمات بأنْماط لُغَوية مُتَعدِّدة تَجْعَل لُغتهُ الشِّعرية ثَريَّة في سياقاتها ومُؤثِّرة في دلالاتِها في آنٍ واحدٍ، كما أَنَّهُ لا يُعير أَهَمَّية للرُّتب النَّحْوِيّة في كل الأوقات فيخالفُ في أَحيانٍ كثيرة نِظامَ الرُّتَب المألوفَ ويَعْمَدُ إلى بَعْثَرة الأَلْفاظ في سِياقاتٍ جديدةٍ ويقومُ بعملية خَبْط جديدةٍ للعناصر المُكَوِّنة للجملة.

تُعَدُّ الصلَّة بَيْنَ عناصر الجُملة في اللُّغَة العادية صِلَةً حقيقيّةً أمّا في لغة الشِّعر فينبغي أَنْ تكون مجازية ذلِكَ لأَنَّ المجاز يتحقَّقُ مِنْ تكوين لُغَوي يحرصُ الشَّاعر المُبْدِعُ على اختيار عناصرِهِ وَرَبْطِها بطريقةٍ لا تَألَفُها اللُّغَة العادِيَّة فيفاجيءُ بها المُتَلَقِّي ذلِكَ أَنَّ التَّعْبير المَجازي لا يتكوَّنُ مِنْ كلمةٍ واحدةٍ بل مِنْ تركيب يستطيعُ خَيال الشَّاعر الخِصْب أَنَّ يَبْنيَ صِلَةً بَيْنَ عناصرِهِ قد لا تخْطُرُ على ذِهْنِهِ في كُلِّ الأَحْيانِ، وكلَّما كانَت لُغَةُ الشَّاعر تَزْخَرُ بالمجاز أَمْكَنَ القَوْلُ إَنَّناَ إِزاَء شاعرٍ مُبْدِعٍ يَمْتَلِكُ مَوْهِبةً وخيالًا ولُغَةً ثَرَّة ًيَبني بها جميعًا صُوَرَه الشِّعريّة.

إَنَّ غَزارَةَ المَجازِ وطرافَتَهُ تَدُلُّ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ على خِصْبِ خَيال الشَّاعر وَقُدْرتِهِ على تأليفِ تراكيبِهِ بطريقةٍ بارعةٍ قَلَّما تَخْطُرُ على بالٍ، لذلِكَ يَرْقى النَّصِّ الشِّعري لَدَيْهِ عَبْرَ استخدامِهِ هذِهِ الوَسيلة، كَما إَنَّ التفاعلَ بَيْنَ الأَلْفاظ مِنْ خلالِ وجودِها في التَّركيب وتكوينها علاقاتٍ جديدةً بَيْنَها لم تَكُنْ مألوفَة لدى المُتَلَقِّي يَنْبَعُ مِنْ خيال الشَّاعر وعاطِفَتِهِ الجَيّاشَة ونَفْسِهِ ذات المِزاجِ العَنيف وهو يَعِي ذلِكَ ويدرك إِنَّها سِمَةٌ جَمالِية يَحرصُ على إضفائها على نِتاجه الفَنِّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت