ومما يسر على الجواهري أن يطيل في القصيدة أنه استعمل القوافي الذُلل الَّتي كثرت على الألسن كما قال المعري [1] وهي الباء والتاء والدال والراء والعين والميم والياء المتبوعة بألف الاطلاق والنون والكاف والقاف والفاء والجيم والحاء والسين [2] ، وتجنب القوافي النفر وهي:
الصاد والزاي والضاد والطاء والهاء الأصلية والواو [3] وتجنب القوافي الحوش وهي الثاء والخاء والذال والشين والظاء والغين [4] .
والجواهري لم يلجأ في مطولاته إلا للقوافي السهلة ولم يلجأ إلى القوافي الأخرى إلا في القصائد ذات القوافي المتنوعة أو في قصائده القصيرة وعلى نطاق محدود جدًا [5] .
ولا شك في أن غزارة جذور القوافي الذلل كانت سبيلًا إلى ميل الشِّعراء إلى ركوبها فضلًاَ عما فيها من طاقة نغمية وقدرة على مدِّ النفس الشِّعري.
وينبغي القول إن الجواهري لا يميل إلى تكرار القافية ويعد هذا مذهبًا صعبًا على الشَّاعر الضعيف الذي تضيق به لغته فلا يتوجه إلى القافية بسهولة على حين نرى الجواهري يمتلك ثراء لغويًا يدفعه لعدم تكرار القافية ولكونه شاعرًا متضلعًا من لغته"لا يخضع للقافية ولا للفظ بل إنها طوع قلمه طواعية اللازب لأنامل المثّال" [6] .
يستثمر الشَّاعر طاقته اللُغَوية عبر ما تتيحه اللغة من إمكانيات كبيرة كي يصل إلى القافية سواء أكان ذلك الأمر يتعلق باختيار المفردة المناسبة للقافية ونوعها أم في وضع هذه اللفظة في سياق نحوي إذ تحتم القافية التزامها علامة أعرابية معينة. فهو لا يجد صعوبة في اختيار اللفظة الَّتي تتضمن القافية كما لا يجد عناءً في وضع تلك اللفظة في سياق نحوي ولا سيما في حالة النصب وذلك لوفرة المنصوبات من جهة ومن جهة أخرى انتفاعه من صور بعض الأفعال ففي قصيدة"أبو العلاء المعري" [7] الَّتي تكونّت من واحد وتسعين بيتًا توصل الشَّاعر إلى القافية
(1) اللزوميات: 1/ 30.
(2) المرشد إلى فهم أشعار العرب، عبد الله الطيب: 1/ 46 - 55.
(3) نفسه: 1/ 59.
(4) نفسه: 1/ 62 وينظر أبحاث في الشِّعر العربي: 68.
(5) ينظر الديوان: 1/ 189، 293 و 2/ 251 و 5/ 25، 29، 31.
(6) قضايا الشِّعر المعاصر، احمد زكي أبو شادي: 127.
(7) الديوان: 1/ 83.
(3) أبحاث في الشِّعر العربي: 25.
(4) الديوان: 3/ 319 وفعل ذلك في قصائد عدة منها قصيدة"براها"الواقعة في (100) بيت توصل إلى قوافي (72) بيتًا منها
بالجار والمجرور والجر بالإضافة ينظر الديوان: 5/ 63. وقصيدة"يا دجلة الخير"المؤلفة من (165) بيتًا توصل إلى قوافي
(85) بيتًا بالطريقة ذاتها، ينظر: 5/ 81 وقصيدة"اللاجئة في العيد"المؤلفة من (119) بيتًا توصل إلى قوافي (62) بيتًا بالوسيلة
ذاتها ينظر الديوان: 4/ 115 وغيرها من القصائد.