بَدَلًا مِنْ"فاعل"أو"مَفْعُوْل"بِشَكْلٍ يَجْلُبُ انتباه المُتَلَقّي أَوْ أَنْ يَعْمَدُ إلى التَّصرف في جَمْعِ المُفْرَدَة فَلا يَعْبَأُ بالجَّمْعِ المَشْهور المُتَداوَل لكِنَّه يستعملُ جُمُوعًا غيرَ مألوفة مستفيدًا مِنْ ظاهرة تعدّد الجموع للمفرد الَّتي تُتِيح له حرّية أكْثَر في الاِختيار.
إنّ هذِهِ الوَسائِل اللُغَوية يستعملها الجواهري ببراعةٍ وثِقَةٍ لا تُتاحُ لِغَيْرِهِ مِنَ الشِّعراء المعاصِريْنَ فَهيَ تُضْفِي على لُغَة الشَّاعر حَيَوِّيَةً أكْثَر واندفاعًا وطراوةً إذ يبتعدُ عَنْ اللَّفظة المُسْتَهْلَكة الخَالية مِنَ الإشعاع والإيحاء ولا تغري المُتَلَقّي على الاستمرار في قراءة القصيدة ولا سيّما القصيدة الطويلة.
إِنَّ اللفظة الطازَجة الَّتي يجنحُ إليهِا الشَّاعر بما يُضْفيه عليها مِنْ شُحْنة عاطفية جديدة قادرةٌ على التّأثير وتحقُّقْ المُتْعَة لدى القاريء وهي رافِدٌ مُهمّ مِنْ روافد الشَّاعر الكثيرة الَّتي كَوَّنَتْ مُعْجَمُهُ الشِّعري الغَزِيْر فاستفاد مِنْ هذِهِ الآلِيّة الَّتي أَباحَتْها لَهُ اللُّغَة العَرَبية بما فِيها مِنْ وَسائِلَ تكثير الكلمة واكتسابها دلالاتٍ جديدةً بما يَسْمَحُ بتعزيز البناء اللُّغوي لشِعْره بأَسْرِهِ.
ولكي نَتَبَيَّنَ هذِهِ السِّمَة في لُغَةِ الشِّعر عند الجواهري وهي قُدْرَتَهُ الخارقةَ على التصرُّف في المُفْرَدَة أو تغريبها سنَقِفُ عِنْدَ أَهَمِّ مَظاهِرِها وهي:
لَجَأَ الجَّواهري إلى تفجير اللُّغَة مِنْ خلال وسائله الكثيرة واتخَّذَ ذلِكَ مَبْدَأ اِلتَزَمَهُ طوالَ حياتِهِ الشِّعريّة، فَلَمْ تَعْجَزُ بَصيْرَتُهُ اللُغَوية عن توصيلِ أيِّ مَعْنى يَخْتارَه، وكانَت رَغْبَتُهُ في الابتعاد عن الكَلِمات المألوفة الَّتي تَطْرُق أَسْماعَ النّاسِ في كُلِّ حِيْن إحدى وسائِلِِهِ تلك فلَجَأَ إلى زِراعَةِ أَغْصانٍ جديدةٍ للّفظة المجرَّدة أو تَشْذِيب اللَّفظة المَزِْيدَة بِحَذْف حُرُوف الزَّيادة مِنْها وذلِكَ لا يجري على حِساب الوَزْن وَحْدَهُ بل بِسَبَبِ مَيْلِهِ إلى أَنَّ تَكون اللَّفظة طازَجةً مِمّا يُزِيدُ مِنْ دَهْشَة المُتَلَقِّي وانبهارِهِ.
لقد زَخَرَتْ لُغَة الشَّاعر بالفِعْل وَمَّر بنا أَنَّ النَّمَط الفِعْلي في بِناء الجُمَل هو المُسَيْطِر على لُغَتِهِ لِذا لَحِقتْ ظاهرةُ الزَّيادة