على أن أكبح جماح خيالاتي. ربما كان على أن أدرك أن ما يلمع في نهاية طريقنا ليس دائما هو ما تصورناه في البداية. بدت لي إندونيسيا أرض السحر والعجائب، ورغم ذلك خاب أملي في أجد بها علاجا لما تعانيه نفسي من آلام.
في الواقع، صدمتني الأيام الأولى التي قضيتها في جاکارتا عاصمة إندونيسيا بجوها الحار الرطب في صيف عام 1971. بالطبع لم يغب الجمال عن المشهد؛ تلك الفاتنات اللاتي ينهادين في السارنج الملون، والحدائق المورقة متوهجة بالزهور الإستوائية، وراقصات بالي المثيرات، والركاب جالسون أمام سائق «الدراجة الأجرة الملونة بألوان قوس قزح، وقصور المستعمرين الهولنديين، ومساجد ذات مآذن وأبراج
كان القبح حاضرا على الجانب المأساوي من المدينة؛ مرضي الجذام بتسولون بعد ما تبقى من أطرافهم التي أكلها المرض، وفتيات صغيرات يعرضن أجسادهن مقابل حفنة من نقود. القنوات التي حفرها الهولنديون وكانت في يوم ما مشهدا رائعا صارت الآن كبالوعات قذرة. عائلات بأكملها تعيش في البيوت الحقيرة المغطاة بالورق المقوي في صفوف دميمة قذرة، تمتد بطول ضفاف القنوات الداكنة، تحيط بها الروائح الكريهة وأصوات أبواق السيارات.
بدت مدينة ممتزجة بالجمال والقبح، بالأناقة والسوقية، بالروحانيات والفحش. تلك هي جاکارتا، حيث تناضل رائحة نباتات القرنفل دائمة الخضرة وبراعم ازهار الأوركيديا ضد التن المنبعث من قاع المدينة.
لم يكن هذا الفقر غريبا علي؛ فبعض زملائي في الدراسة في هامبشاير كانوا يعيشون في أكواخ مغطاة بورق غليظ مكسو بالقار ليقيها من المطر، ويأتون للمدرسة مرتدين معاطف خفيفة وأحذية رياضية مهترئة في أقصى أيام الشتاء برودة، وتنبعث من أجسادهم التي بعد عهدها بالاستحمام رائحة يختلط فيها العرق القديم والغائط، وقد عشت في أكواخ من الطين مع فلاحي جبال الإنديز الذين لا يزيد طعامهم عن القمح الجاف والبطاطس، وحيث يبدو للمرء أحيانا أن احتمالات وفاة الوليد الجديد تقارب احتمالات مولده. نعم رأيت الفقر، لكن من وجهة نظري لا شيء يقارن بفقر جاکارتا
بالطبع سكن فريقنا في أفضل فنادق المدينة في إحدي الضواحي، في فندق إنتركونتننتال إندونيسيا الذي تمتلكه شركة الطيران الأمريكية بان أمريكان Pan American، وهو على طراز سلسلة فنادق إنتركونتنتال المنتشرة حول العالم والدرجة نفسها، فندق يرضي ذائقة الأجانب الأثرياء، وخاصة المديرين التنفيذيين لشركات البترول وعائلاتهم. وفي مساء اليوم الأول لنا في الفندق، دعانا شارلي إيلينجورث Charlie Illingworth مدير مشروعنا لتناول العشاء في مطعم أنيق في أعلي طابق في الفندق.