كانت مخيلتي تموج بصور رومانسية عن إندونيسيا، ذلك البلد الذي سأعيش فيه الشهور الثلاثة المقبلة. بعض الكتب التي قرأتها شاهدت فيها صورا لنساء جميلات يرتدين اسارنج" (*) ملونا بألوان فاقعة، وصور راقصات عاريات من بالي وكذلك صورا لشامانات"ينفخون في النار، وصورا لمحاربين مدفون في زوارق الكانو الطويلة الضيقة المصنوعة من جذوع اشجار مفرغة، تسبح على مياه بلون الزمرد الأخضر تحت براكين يتصاعد منها الدخان. اما ما أدهشني بشكل خاص فهو مجموعة صور لسفن ضخمة مهيبة، كان يستخدمها في القرون الماضية قراصنة «بوجي سيئة السمعة.
رأيت هذه الجزر التي كانت تثير الرعب في نفوس البحارة الأوروبيين الأوائل حتى أنهم كانوا إذا عادوا إلى بيوتهم يخيفون أطفالهم قائلين: كونوا مهذبين وإلا سيختطفكم رجال بوجي الأشرار»، أثارت هذه الصور في روحي انفعالات شتى عن تاريخ هذا البلد وأساطيره العجيبة من آلهة غاضبة، وتنانين كومودور، وسلاطين القبائل، حکايات قديمة موغلة في الزمن قبل ميلاد السيد المسيح، استطاعت أن تعبر جبال آسيا والصحاري الفارسية، وعبر البحر الأبيض المتوسط لتغرس نفسها في عمق وعينا الجمعي، حتى أساء جزرها الأسطورية (جاوة، سومطرة، بروناي، سولاويسي) تغرق في أجمل بقعه من خيالنا. إنها أرض التصوف الغامض والأسطورة والجمال المثير، إنها كنز مراوغ يبحث عنه العالم لكن لم يصل إليه حتي کولومبوس. أميرة يتودد إليها العشاق ويغازلونها لكنها لم تمنح نفسها لا لاسبانيا ولا لهولندا ولا البرتغال ولا اليابان، ظلت محض خيال وحلم.
كانت آمالي عظيمة، ربا في عظم آمال المسكتشفين الكبار مثل کولومبوس، ومثله كان يجب
(*) وهو عبارة عن تنورة ملونة حول الحصر يرتديها النساء والرجال في إندونيسيا وماليزيا وجزر المحيط الهادي.
(**) الشامان فرد من المجتمعات القبلية يعمل على التوسط بين العالم المرئي وعالم الأرواح اللامرئية مارس السحر أو الشعوذة للعلاج والعرافة والسيطرة على الظواهر الطبيعية. تهال لاتعدي الامم (مكتبة الأسرة 3019)