( ... هذا مذهب الإمام مالك بن أنس-رحمه الله تعالى-وجميع أصحابه، فقد قال في:(المدونة) [1] : (لا يجوز [2] للرجل
أن يُقارِض [3] من يستحل شيئًا من الحرام، والربا في البيع والشراء [4] وإن كان مسلمًا [5] ، ولا من لا يعرف الحلال والحرام [6] .
(1) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (ولفظه في:(المدونة الكبرى) (3/ 645) تحت عنوان: (في مقارضة من لا يعرف الحلال والحرام) ضبطه وصححه: أحمد عبد السلام، من مطبوعات: دار الكتب العلمية، و (التهذيب في اختصار المدونة) (3/ 526/527 - دولة الإمارات العربية المتحدة) ، و (البيان والتحصيل) (12/ 382) ، و (منح الجليل) (7/ 343) :"قال: وقال مالك: لا أحبُّ للرجل أن يقارض رجلًا لا يعرف الحلال والحرام، وإن كان رجلًا مسلمًا، فلا أحب له أن يقارض من يستحل شيئًا من الحرام في البيع والشراء."
قال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سعيد بن المسيب قال: لا يصلح أن يقارض الرجل اليهودي والنصراني، قال الليث: وقال ربيعة بن أبي ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا ينبغي له أن يقارض رجلًا يستحل في دينه أكل الحرام")."
(2) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي: (وعبارة أبي الوليد بن رشد القرطبي في:(البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة) (12/ 381 - من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب) ، و (التهذيب في اختصار المدونة) (3/ 526/527) هكذا: (قال عبد الملك بن الحسن: سئل ابن وهب وأنا أسمع عن المسلم هل يقارض النصراني؟ فقال: لا بأس به.
قال محمد بن رشد: معنى ما ذهب إليه ابن وهب في إجارته ذلك والله أعلم هو إذا كان إنما يتجر في البز ونحوه فيبيع بالنقد فيتحقق سلامته من الربا، وأما إذا خشي أن يعمل بالربا فلا يجوز له أن يقارضه، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، فقد قال في: (المدونة) : إنه لا ينبغي للرجل أن يقارض من يستحل شيئًا من الحرام في البيع والشراء .... وقال ابن المواز: إنه إن قارض النصراني فسُخ القرِاض ... إذا قارضه على علم منه أنه يعمل بالربا، وأما إن قارضه وهو يرى أنه لا يعمل بالربا، ثم خشي أن يكون قد عمل به، تصدق بالربح استحسانًا ... أن يكون قد اشترى به خمرًا، أو: خنازير لابتُغي له أن يتصدق بجميع المال استحسانًا، ولو تحقق ذلك لوجب عليه أن يتصدق به، وقد قيل: إنه إذا اشترى به خمرًا، أو: خنازير لزمه ضمانُه ... والذهاب إلى كنيستها ... فعلى قياس ذلك ليس له أن يمنعه من الاتجار فيما يستبيحه في دينه ... إلا ما يجوز للمسلمين ملكه ... ).
(3) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (س: ما هو القِراض؟ ج: القِراض: مأخوذ من القَرْض، تقول: أقرضت الرجلَ، إذا أعطيته ليعطيك، فهو عطية ليجازي عليها صاحبَها، والفرق بينه وبين القراض بمعنى السلف، أن القِراض: الرغبة فيه والمنفعة للإثنين اللذين تكون منهما المفاعلة في المقارضة، بخلاف القرض بمعنى السلف، فإن المنفعة فيه للمستلف وحده.
س: هل يسمى:"القراض"باسم آخر؟ ج: نعم، يسمى أيضًا:"المضاربة"، وهي الضرب في الأرض للتجارة والسفر، لأن المقارض يعمل ذلك، و"القِراض": تسمية أهل الحجاز، و"المضاربة": تسمية أهل العراق.
س: ما هو:"القِراض"في اصطلاح الفقهاء؟ ج:"القِراض"في اصطلاح الفقهاء-كما عرفه ابن عرفة-هو:"تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة".
وقال المواق في: (التاج والإكليل لمختصر خليل) (4/ 410 - كتاب القراض) :"... ابن عرفة: شرْطُ المال كونه معلومًا محوزًا ويجب أن يكون حظ العامل جزءً من الربح معلوم النسبة منه").
انظر: (شرح حدود ابن عرفة) (ص:531) ، و (منح الجليل) (7/ 317) ، و (التاج والإكليل لمختصر خليل) (4/ 409 - كتاب القراض) للإمام محمد ابن يوسف العبدوسي الغرناطي الشهير بـ (الموَّاق) المتوفى سنة: (897 هـ) ، من مطبوعات: دار ابن حزم.
(4) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (فائدة: يرى بعض الفقهاء أن القرض من شخص ماله كله حرام مكروه فقط، أما أخذ دَيْنِه ممن له حانة يبيع فيها الخمر فجائز لا كراهة فيه، لقول الشيخ خليل في:(المختصر) (2/ج 3/ص:7 - مع شرح الزرقاني) تحت: باب الذكاة، من مطبوعات: دار الفكر: (وكره: تَسَلُّفُ ثمن خمرٍ، وبيع به، لا أخذه قضاءً) ، أي: عن دين عليه، فلا يكره، ويجوز الإقدام عليه، لتقدم سببه-معاملة سابقة، لأنه دين في ذمته، وهذه معاملة مستأنفة-بخلاف البيع).
(5) -قال شيخنا العلامة محمد بوخبزة-شفاه الله وعافاه-: عبارة: (المدونة) في كتاب القراض (5/ 107) طبع ساسي: (قال: وقال مالك: لا أحب للرجل أن يقارض رجلًا إلاَّ رجلًا يعرف الحلال والحرام. وإن كان رجلاّ مسلمًا فلا أحب له أن يقارض من يستحل شيئًا من الحرام في البيع والشراء) .
(6) -قال أبو الفضل عمر الحدوشي: (وفي:(التهذيب في اختصار المدونة) (3/ 526/527 - في مقارضة الرجل عبده، أو: أجيره ومقارضة الذمي) -و (البيان والتحصيل) (12/ 382) :(ولا أحبُّ مقارضة من يستحل الحرام، أو: من لا يعرف الحلال من الحرام، وإن كان مسلمًا.
وأكره للمسلم-والكراهة هنا على بابها-أخذ قراض من ذمي، أو: مساقاة من ذمي، أو: يؤاجر منه نفسه للمذلة، وليس بحرام، ولا بأس أن يدفع المسلم كرمه مساقاة إلى ذمي إن كان الذمي لا يعصر حصته خمرًا).
ولهذا السبب: (كان عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-يمنع كل من لا يعرف الحلال والحرام في البيع والشراء، وكان مالك يقول: لا يدخل أحد أسواق المسلمين إن كان لا يعرف أحكام البيوع) .