ثم إن الناس اشتغلوا بـ: (تهذيب) البراذعي [1] : حتى صار كثير من الناس يطلقون: (المدونة) [2] عليه-مما جعل فضيلة شيخنا ومجيزنا العلامة محمد الأمين عرفات العلوي أن يقول في كتابه-الذي شرَّفني بكتابة الإهداء عليه-: (رشف الفِضال من تراجم أعلام الرجال) (ص:28) :
ثم الْبُرادعي يُسَمَّى بِخَلَفْ * مِمَّن لِمذهبِ إمامِنا عَرَفْ
له عن الشيخين أَخْذٌ عُلِما * بل كان من كبار أصحابِهما
إليه يَنتمي اختصارٌ لِكتابْ * نَجْلِ حَبيبٍ مثل: (تهذيب) الكتابْ
(واعتمدوا"التهذيب"للبرادعي * وبـ(المدونة) في الْبَرادُعِي) [3]
و (المدونة) جمعت عصارة أفكار أربعة من المجتهدين [4] : (مالك، وابن القاسم، وأسد، وسحنون، ومنها غرف من تتلمذ عليهم حقيقة تتلمذًا صحيحًا.
(1) -انظر: (عون المحتسب فيما يعتمد من كتب المذهب) (ص:61/ 62) .
(2) -وقال شيخ مشايخنا محمد عبد الرحمن بن السالك في: (عون المحتسب فيما يعتمد من كتب المذهب) (ص:61/ 62) : (ويُعبِّر عنه أهل المذهب بـ"المدونة الصغرى"، وربما قال ابن عرفة في:(مختصره) نحو ذلك، والبراذعي هذا قال المقري-"نفح الطيب" (5/ 276) -في بعض مقالاته حسبما ما نقل عنه صاحب: (المعيار) (2/ 480) : إن أهل المذهب نبذوا تآليفه، قال: -على نبلها-ولم يقبلوا منها إلا: (التهذيب) ، لموافقته في أكثر مسائله للشيخ أبي محمد بن أبي زيد في:"مختصره").
(3) -انظر: هذا البيت من نظم العلامة النابغة الغلاوي في: (بُوطْلِيحِيَّهْ وهو نظم في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية) (ص:72/رقم:48) تحقيق ودراسة: صديقنا يحيى بن البراء، من مطبوعات: المكتبة المكية، ومؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع.
(4) -وقال القاضي عياض في: (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك) (1/ 616/رقم:86 - أسد بن الفرات بن سنان) : (قال سحنون: عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح، وروايته، وكان يقول: إنما(المدونة) من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن، تجزي في الصلاة عن غيرها، ولا يجزي غيرها عنها.
أفرغ الرجال فيها عقولهم، وشرحوها وبينوها فما اعتكف أحد على: (المدونة) ودارسها إلا عرف ذلك في روعه، وزهده، وما عداها إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه، ولو عاش عبد الرحمن-يقصد: ابن القاسم-أبدًا ما رأيتموني أبدًا.
قال محمد بن عبد الحكم: جاء ابن وهب إلى أبي، بعد موت ابن القاسم، فقال له: تَبِر-أي: هلك-ابن القاسم في قبره، لا ترو عنه شيئًا من كتبه. يعني:"الأسدية"، فما رأى أبي فيها شيئًا إلا مثل المسألة والمسألتين على سبيل المذاكرة.
ومال أسد بعد هذا إلى كتب أبي حنيفة، فرواها وسمعها منه أكثر الكوفيين يومئذ، ومال إليهم .... ).