لأجل هدم الشرك ونصرة التوحيد، والجهاد -الذي هو مقتلة ومهلكة للأنفس والأرواح- ما قام ولا كُتِبَ القتال علينا إلا لنصرة التوحيد، وجميع غزوات النبي (ما كانت إلا لهدم الشرك وإقامة التوحيد، والنبي (لم يُبعث بالسيف إلا ليُعبَدَ الله وحده لا شريك له.
ولأجل هذا التوحيد جُرِّدَت سيوف الجهاد، وناح نوح، وألقى في النار إبراهيم، وغاب في السجن يوسف، وبات في بطن الحوت يونس، ونُشِرَ بالمنشار زكريا، وذُبِحَ يحيى، ورُفِعَ إلى السماء عيسى، وأوذي وطُرِدَ من بلده وأهله محمد (.
ومعلوم أن النبي (قد هدم جميع هذه الأصنام والأوثان في العام التالي للعام الذي اعتمر فيه، وهو عام فتح مكة، وكان هدمه لها بعد غدر قريش وخيانتها للعهد، فترك النبي (الأصنام لما التزمت قريش بالهدنة -مع إمكانه هدمها-، ثم لما خانت العهد هدمها، فهل العهود والمصالح السياسية هي الأصل، والتوحيد تبع لها، حتى تُترك الأصنام عند العهد وتُهدم عند الغدر، وهل خيانة العهد أعظم من الشرك، فيُترك الشرك في بيت الله لأجل نجاح المعاهدة والهدنة، فإذا غدر القوم هُدِمَت الأصنام، وإذا أوفوا بعهدهم لم تُهدَم، فيكون التوحيد تابعًا للمصلحة وليس العكس [1] !.
وقد يتعذرون بأن النبي (في بيعة الرضوان إنما بايع أصحابه على الموت
(1) لا يخفي أننا لا نعتقد بما ذكرناه هنا -معاذ الله-، وأحسب هذا واضحًا، فلا شك أن من اعتقد بمثل ذلك كَفَرَ وتزندق، وإنما نقوله من باب إلزام القوم بالاطِّراد على مذهبهم وأصولهم الفاسدة، وتنزيلها على الفروع المندرجة تحتها، وهذا منا على سبيل المجادلة والمناظرة لهم، عسى أن يظهر لبعضهم مدى الانحراف في أصولهم، فإن أبى القوم الالتزام والاطِّراد على مذهبهم وأصولهم، فقد شهدوا على أنفسهم بالتناقض والتخبط وبُعدهم عن التأصيل العلمي في أوصافهم البدعية.