وقد يتعذر القوم بالمعاهدة التي كانت بين النبي (وبين قريش، وأنه جاء للعمرة ولم يأت لقتال، وهذا العذر لا يقبلونه من المجاهدين، ولو اطرد القوم على أصولهم لما أجازوا عهدًا يكون سببًا في بقاء الشرك ظاهرًا مع القدرة على إزالته، لأن المعاهدات لا تُقبل ولا تجوز في دين الله إلا إذا كانت لنصرة التوحيد وحراسته، إذ التوحيد أولًا ودائمًا، وأداء العمرة ليس بأعظم عند الله من هدم الشرك حتى يُقبل ببقاء الأصنام في بيت الله الحرام لأجل عمرة، لأن التوحيد أصل الأصول وبدونه لا تحصل النجاة ولا تُقبل جميع العبادات، بما في ذلك عبادة العمرة، واستمرار المعاهدة والهدنة ليس بأعظم عند الله - عز وجل - من هدم الشرك، حتى يُقبل ببقاء الأصنام في بيت الله الحرام لأجل هدنة ومعاهدة.
وقد يتعذرون بأن النبي (وأصحابه كانوا مستضعفين في هذا الموقف، وربما خَشِيَ النبي (على دماء أصحابه أن تُهدَر ويحصل فيهم مقتلة ومهلكة في هذا الموقف، وهذا كذلك لا يقبلونه من المجاهدين.
وأي استضعاف وقد هزم النبي (قريشًا في جميع غزواته معها قبل هذه العمرة، وذهب بنفسه لمكة فاتحًا منتصرًا في العام التالي، والاستضعاف لا يُبيح بقاء الشرك و"خدش التوحيد"، وإرادة حقن الدماء ليست بأعظم عند الله من هدم الشرك، حتى يُقبل ببقاء الأصنام في بيت الله الحرام لأجل حقن الدماء، فحقن الدماء قد يُقبل فيما هو دون الشرك، أما الدخول للكعبة وفيها الشرك، والاعتمار على هذه الصورة، فهذا ما لا تقبله أصول القوم.
والقول بالاستضعاف -على طريقة المخالفين- لا يتفق ومبايعة النبي (أصحابه على الموت قبل هذه العمرة بعام لأجل رجل قُتِل، ودمُ رجُلٍ -أيًا كان شخصه- ليس بأعظم عند الله من هدم الشرك وحراسة التوحيد وحماية جنابه، فكيف يبايع النبي (أصحابه على الموت لأجل رجل، ولا يبايعهم على الموت