وقد ذهب القوم لاستغلال التوحيد في معاركهم الكلامية وخصوماتهم الجدلية مع مخالفيهم، وهذا ليس من الدين، فالأصل أن الله أمر بالتوحيد لتعبيد الناس له، لا لإسقاط المخالفين به، ففرق بين من يتعبدُ اللهَ بالتوحيد ديانة، وبين من يستعمله وسيلة إسقاط مع مخالفيه خصومة.
وقد أمرنا الله - سبحانه وتعالى - بتعظيم شعائره، كما في قوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [1] ، واستعمال التوحيد -الذي هو أعظم شعائر هذا الدين- على هذا المعنى الذي نراه لا يتفق وتعظيم شعائر الله، وذلك لأن من يُعَظِّم التوحيد فإنه يُنَزِّهُهُ عن مثل هذه المصطلحات الخاطئة التي تُنقِص من قدره.
وكنت قد تطرقت لبعض مصطلحات القوم في مقال سابق بعنوان (مصطلحات خاطئة بين المجاهدين) ، وناقشت فيه بعضًا من مصطلحاتهم الخاطئة، كالتميع والتلون والضبابية وأنصار التوحيد وخصوم التوحيد وأنصار الشريعة وغير ذلك، وبينت وجه البدعة في استعمالهم لهذه المصطلحات، وأنها قامت على أصل غير علمي يخالف ما هو مقرر لدى الفقهاء في مسألة تغير الفتيا تبعًا لتغير الحال، وكذلك ما هو مقرر لديهم في أبواب السياسات الشرعية.
لكن لما رأيت استمرارهم في استعمالها، وتوسعهم في ذلك، وإفسادهم لساحة الشام بشبهاتهم الباطلة، رأيت العودة للكتابة في المسألة من باب آخر يزيد في بيان بطلان هذه المصطلحات وبعدها عن العلم والحق.
فكتبت هذه الورقات ومهدت فيها ببيان أن القول بأن الرد على المخطئ يعني الطعن فيه وإسقاطه هو من الفهم المخالف للتوحيد، ثم ناقشت قولهم بـ"تمييع التوحيد"وفق قواعد ومقررات العلم، ومذهب أهل السنة في الإيمان، وهو نقاش
(1) الحج: 32.