الصفحة 63 من 72

الصحيحين أنه سمع رجلًا يثني على رجل ويطريه في مدحه، فقال له: {أَهلَكتُم أَو قَطَعتُم ظَهرَ الرَّجُلِ} [1] ، وكان أشد الناس تواضعًا، وكان يقول متواضعًا: {إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأكُلُ القَدِيدَ} [2] ، ولما دخل مكة فاتحًا منتصرًا دخلها وقد طأطأ رأسه تواضعًا لله، وصح عنه أنه قال: {مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ} [3] .

كذلك فقد كان هذا حال السلف الذين هم أعرف بالتوحيد من معاصري زماننا، فقد ذكر الذهبي أنه كان يحضر مجلس الإمام أحمد ~ خمسة آلاف، فكان خمسمائة يكتبون، والباقون ينظرون إلى سمته وخلقه وأدبه.

فهذه هي النبوة وأخلاقها لمن أراد الاقتداء والفلاح، فمن أراد وراثة دعوة الرسل بالذب عن التوحيد والدعوة إليه وحراسة جنابه فليتخلق بأخلاق الرسل & وأتباعهم من أئمة الدين، وإلا فهو أبعد الناس عنهم، وإن زعم التصاقه بهم، فدعوة الرسل ليست مجرد كلمات تُحفظ لتقال على مسمع من الناس، ويُرفع الصوت بها وتستخدم العبارات القاسية في إبلاغها، وإنما هي خلق وأدب ونهج وهدي واستقامة.

وقد كان الأشاعرة يزعمون أن عقيدتهم هي عقيدة الصحابة والسلف، والرافضة يزعمون أنهم أحق الناس بالنبي (وبعلي >، ولا يُسَلَّم لأي منهم بشيء مما زعموه، إذ الأمور بحقائقها لا بمجرد الدعاوى، ولو كانت الأمور بالدعوى لادَّعى من شاء ما شاء.

(1) صحيح البخاري (2663) ، صحيح مسلم (67/ 3001) .

(2) سنن ابن ماجه (3312) ، والقديد: لحم مُقَطَّع مُمَلَّح مُجَفَّف في الشمس والهواء.

(3) صحيح مسلم (69/ 2588) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت