الصفحة 69 من 72

الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤتَمنُ فِيهَا الخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبضَةُ [1] .

ولهذا السبب وغيره قرر أهل العلم أن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني، إذ كل أحد يمكنه تحسين مذهبه ونسبة الخير له، وتقبيح مخالفه ونسبة الشر له، وما من صاحب عقيدة أو مذهب إلا ويفعل ذلك مع مخالفيه، ومن نظر في كلام أصحاب الأديان والمذاهب تجلى له ذلك، والأمر في ذلك لا يعدو استعمال ألفاظ المدح والذم المعروفة لدى الناس، وهذا لا يُحِقُّ حقًا ولا يُبطِلُ باطلًا، إذ كل أحد قادر على استعمال هذه الألفاظ، والعبرة إنما تكون بالعلم والدليل والحقائق والمعاني، وأما الألفاظ والمباني فيقدر عليها كل أحد، ولو كان الأمر باستعمال هذه الألفاظ لكان إبليس وفرعون وأبو جهل هم أصحاب الحق، ولكان الأنبياء جميعًا على باطل وشر، ولا يخالف أحد في بطلان ذلك.

وقد يُضطر القوم لترك بعض هذه المصطلحات والالتجاء لغيرها، لكنهم لن يخرجوا عن هذا الأصل الفاسد الذي اعتمدوه في مسألة المدح والذم -إلا أن يرجعوا عن طريقتهم بالكلية إلى طريقة الشرع والعلم-، وجميع ما قد يأتون به من مصطلحات جديدة جارية على هذا المعنى الباطل، وما كتبناه في هذا الباب إنما هو لإبطال أصلهم الفاسد، فلا نحتاج للرد على كل مصطلح جديد يأتون به، فكلامنا هنا يُرد به على جميع مصطلحاتهم الفاسدة، سواء الحالية منها أو القادمة.

(1) السلسلة الصحيحة (1887) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت