الفصل الثالث:
أيها العاملون للإسلام؛ يدًا واحدة
«الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» [1] .
هكذا قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم راية خفاقة، وصرخة مدوية في ضمير كل مسلم ترسم له الطريق وتنير له الدرب وتهديه سواء السبيل، المسلمون يدٌ على من سواهم، كل المسلمين وكل من سواهم.
فماذا فعل المسلمون في وصيته صلى الله عليه وسلم؟ بل ماذا فعل العاملون للإسلام فيها؟ إنَّ الكلمات لتذرف دمًا قانيًا من هول ما ألمَّ بالمسلمين اليوم من فرقة وشتات على توافه الأمور وفتات الدنيا، مهما حاول المتعمقون المتشدقون إلباس خلافهم ثوبًا دينيًّا.
أَتضيع دولة الإسلام وتندثر، وتشتد الوطأة على دين الإسلام حتى يكاد يُدرس في القلوب كما يُدرس وشي الثوب، ثم تحدث فرقة وخلاف بين العاملين للدين -أهل السنة والجماعة على تفاصيل وتفريعات-، ما وجدت الدولة الإسلامية في أوجِّ مجدها ترف الاختلاف والمناظرة حولها فضلًا عن التفرق والتحزب عليها.
إذا كان علماء الإسلام قرروا أنه لا بأس بالاتحاد والقتال مع الفرق الإسلامية الضالة من أجل قتال الكفار، ولو كان قتال طلب، أفلا يعي أولو النهى أن الاتحاد من أجل إعادة دولة الإسلام السليبة .. إعادة دين الإسلام، أولى وأشد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو تُرك رواية الحديث عنهم لاندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم، فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة"
(1) مسند أحمد (959) ، وسنن أبي داود (2751) ، وسنن النسائي (4746) ، وسنن ابن ماجة (2683) ، احتج به ابن حزم وصححه ابن الملقن في البدر المنير، وحسن ابن حجر العسقلاني نحوه، وصحح أحمد شاكر إسناده وكذلك الألباني.