نستطيع في نهاية هذا الباب أن نرسم صورةً لدولة الإسلام في ضوء أهدافها ومفاهيمها.
فهي دولة متفردة متمايزة صنعها القرآن المتفرد المتمايز تهدف إلى عبور الناس بنجاح من جسر الدنيا إلى مستقرهم في جنة الرحمن، وتُشكِّل وتُنظِّم وتُحافظ على أوجه الحياة الدنيا من أجل تحقيق هذا الغرض وإتمام هذا الهدف وفقط.
فإذا تحقق الغرض وتم الهدف فهو النجاح التام والنصر المبين والفوز الكامل، حتى لو خربت أو فقدت أو زالت الحياة الدنيا بأسرها، ولا غرو فهي ليست إلا وسيلة .. وسيلةٌ وفقط!!
ولهذا فقد يكون تحقيق الهدف بزوال الحياة الدنيا بأسرها فلا يتردد المؤمن حينئذٍ في الاختيار، ولا تترد نفسه في المفاضلة بين الهدف والوسيلة كما حدث لأصحاب الأخدود وغيرهم حين فقدوا حياتهم جميعًا في سبيل تحقيق الهدف [1] ، كما قد يكون تحقيق الهدف بقهر العالم أجمع والانتصار عليه وسيادته، لا تهم الوسيلة -طالما أنَّ الله شرعها- المهم تحقيق الهدف.
ومن هذا المنطلق فقد رتَّب الإسلام لدولته أولوياتها في الحياة الدنيا حتى تصل إلى هدفها المنشود، وجعل على رأس هذه الأولويات حفظ دين الإسلام ونشره ودعوة الناس إليه وتيسير اتباعه على معتنقيه والمحافظة عليهم، هكذا في تمايز عجيب تنفرد به دولة الإسلام عن باقي دول العالمين.
الاتساق الطبيعي لتمايز هدف وغاية دولة الإسلام أن تتمايز أركانها من شعب وإقليم وسيادة، فشعب دولة الإسلام البشر جميعًا، ولكنهم درجات، أحدهم حرمته أشد من حرمة الكعبة -بيت الله في أرضه-، والآخر ليس كذلك بحال، وهذا الآخر درجات كذلك، وهكذا إقليم دولة الإسلام الأرض جميعًا حيث يوجد بشر.
أما السيادة فيها فلله وحده لا شريك له، بأوامر كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وحين يُسمح لبشر أن يأمر ويُشرِّع فذلك حين يسمح الله له بذلك وفي حدود ما سُمح له، فيظل الحكم
(1) راجع القصة بتمامها في صحيح مسلم (3005) .