الصفحة 62 من 83

الفصل الأول:

جريمة لا عذر لأحد فيها

«لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» [1] هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة المأساوية، حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العبارة لأناس يستغيثون به، والنار أمامهم سوداء تلظى بشرر كالقصر كأنه جمالة صُفر، ولات حين مندم.

قبل هذا المشهد بقريب -وإن عدَّه الجاهل بعيدًا- وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عرفات يوم الحج الأكبر يردد إصبعه بين السماء والناس قائلًا: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ... اللَّهُمَّ اشْهَدْ» [2] .

لم يُخفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن ولا الوحي شيئًا، بل بلَّغ وأقام حجة الله على العباد وتركنا -نشهد والله- على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ أو ضال، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ترك الإسلام في دولته كاملًا تامًّا ونموذجًا -لا يحيد عنه إلا ضال- إلى قيام الساعة، وهكذا خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق الوحيد والصراط المستقيم والدرب المنير إلى إنقاذ البشرية وهو لهذا"رحمة مهداة" [3] أهداها الله للعباد.

إنَّ وجود دولة الإسلام ليس نافلةً ولا فضولًا على طريق نجاة البشرية، إنَّ أيَّ متأمل لما ذكرناه من وسائل وأهداف تلك الدولة ليعلم ذلك يقينًا.

إنَّ أي بصير بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك قيد أنملة، إنَّ من يرى الصحابة - رضي الله عنهم - وهم يثبتون الدولة وينظمون أهم شؤونها في نفس يوم موت نبيهم صلى الله عليه وسلم وقبل دفنه،

(1) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ ... » صحيح البخاري (3073) ، وصحيح مسلم (1831) .

(2) من خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسماة بخطبة الوداع؛ صحيح البخاري (1741) ، وصحيح مسلم (1218) .

(3) روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» أخرجه الدارمي في سننه (16) ، والحاكم في المستدرك (100) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعًا بمالك بن سعير، والتفرد من الثقات مقبول، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت