ويرى سيرتهم بعدها جميعًا ليزداد نورًا على نور في هذه المسألة اليقينية.
إنَّ من يرى إجماع علماء المسلمين - كلهم جميعًا- على وجوب نصب الخليفة -الذي يقود دولة الإسلام [1] - وما يستلزم ذلك -لا محالة- من وجوب وجود دولة للإسلام، ليعلم أيُّ ركن ركين وفسطاط عظيم يُهدم من الدين حين لا يوجد للإسلام دولة، وليعلم يقينًا أي ثلمةٍ ثُلِمها الإسلام حين زالت دولته.
أيها المسلمون أيها المؤمنون؛ إنَّ نظرة سريعة خاطفة على أحوال المسلمين بعد زوال دولتهم لتجعل أجهل عوام المسلمين يُدرك -اجتهادًا لا تقليدًا- وجوب الدولة للإسلام، بل وجوب بذل المُهج والنفوس والغالي والنفيس من أجل إعادة تلك الدولة.
ليت الأمر يقف عند دماء المسلمين المهراقة في الشرق والغرب والشمال والجنوب أنهارًا وبحارًا ومحيطات، ولا أعراض المسلمات العفيفات الممزقة ليلًا ونهارًا، فإن هذه الأمور وشاكلتها يسيرة -مهما عظمت- وصغيرة -مهما كبرت- إذا ما قورنت بفتنة زوال الدين من قلوب المسلمين.
إنَّ هذه الأمور لا تعني -مجردة- إلا زوال الدنيا من أيدي المسلمين، والدنيا مهما عظمت حقيرة، أما زوال الدين فهو الهلاك الحقيقي والبلية الكبرى والجريمة العُظمى التي لا عذر لأحد فيها.
نشهد أنك بلغتنا يا رسول الله، ونشهد إنَّ المسلمين ضيَّعوا!
هجمة إلحادية شعواء تهزُّ الجبال الراسيات في قلوب المسلمين، انطلقت أساسًا بعد زوال دولة الإسلام، لننظر -على سبيل المثال لا الحصر- إلى التعليم الذي يتعلمه أغلب المسلمين في المدارس والجامعات والذي يبث عبر عقود وأجيال الكفر والإلحاد وترك الالتزام بالدين في صدور المسلمين، بطريقة دس السم في العسل، لننظر إلى الاقتصاد، إلى وسائل الإعلام صحفه وإذاعاته وإرساله، لننظر إلى كل ناحية من نواحي حياة المسلمين التي لا تحكمها دولة الإسلام، نجدها جميعًا سيلًا جارفًا نحو قعر جهنم عياذًا بك اللهم.
(1) نقل هذا الإجماع الماوردي في الأحكام السلطانية (صـ 15) ، وابن خلدون في المقدمة (صـ 171) ، والنووي في شرح صحيح مسلم (12/ 205) ، ونقل كلام النووي ابن حجر في الفتح (13/ 208) وغيره.