الصفحة 55 من 83

-مسائل: العلاقات الخارجية والداخلية والحرب والحريات:

إنَّ التشابك الشديد بين هذه المسائل التي كثر حولها اللغط جعل من الأفضل جمعها في مكان واحد كوسائل من وسائل دولة الإسلام في تحقيق غرضها، تتمايز بها تمامًا من حيث الموضوع عن غيرها، وإن كان تفصيل هذه المسائل يطول ويحتاج إلى مؤلفات مستقلة إلا أنَّ إظهار تمايز دولة الإسلام عن غيرها فيهم من الوضوح بحيث لا نحتاج إلا لكلمات أو بالأحرى إشارات قلائل، ولعل كثيرًا منها ذُكر متفرقًا فيما سبق من هذه الرسالة.

وقد تحدثنا عن امتداد حدود دولة الإسلام إلى كل أرجاء المعمورة ودخول كل بني آدم تحت ولايتها [1] ، ولتحقيق هذا الأمر على أرض الواقع لا بدَّ من تحرير البلاد والعباد من كل حكم غير حكم دولة الإسلام مما يستلزم الدخول في صراعات وحروب لا تنتهي إلا بنهاية كل دولة غير دولة الإسلام، نعم قد تحدث معاهدات تُوقف الحرب فترة من الزمن، ولا يحل لدولة الإسلام عقد هذه المعاهدات إلا لما فيه صالح الإسلام وليس صالح الحياة الدنيا، وفارقٌ بين الأمرين عظيم.

وصالح الإسلام الذي هو صالح المسلمين في آخرتهم بالأساس وصالح الناس أجمعين، يكون بنشر الإسلام في كل ربوع الأرض، ولهذا عندما أجاز الفقهاء لدولة الإسلام الدخول في معاهدات مع غيرها من الدول شرطوا ذلك بتوفر مصلحة الإسلام، وبيَّنوا كُنه المصلحة بعدم وجود قدرة للمسلمين على قتالهم في هذا الوقت -مثلًا- فيُوقَف القتال لتُعَدَّ العُدَّة، أو عندما يكون هناك قتالٌ مع دولة أخرى وليس من مصلحة الإسلام وقتئذٍ دخول حرب على جبهتين، أو يُنتظر أن يُسلموا بدون قتالٍ [2] ... إلخ، أما غير ما ذُكر، فالقتال أبدًا حتى {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .

نظم القرآن هذا الأمر الخطير في حياة دولة الإسلام وأكد عليه في أكثر من موضع وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ

(1) راجع (صـ 26) من هذه الرسالة.

(2) يقول ابن قدامة:"وأقل ما يُفعل [الجهاد] مرة في كل عام، لأن الجزية تجب على أهل الذمة مرة في كل عام وهي بدلٌ عن النصرة، فكذلك مبدلها وهو الجهاد فيجب في كل عام مرة إلا من عذر؛ مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون ينتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيه مانع أو ليس فيه علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامه إن أخَّر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال" [المغني لابن قدامة (9/ 198) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت