الصفحة 38 من 83

الفصل الأول:

مفهوم وأغراض الوسائل في دولة الإسلام

منذ خلق الله آدم (وإلى أن يُنفخ في الصور إيذانًا بقيام القيامة وهناك هاجس أساسي وحقيقة مطلقة تتمحور حولها حياة آدم وبنيه من بعده؛ وهي الموت.

حقيقة يدركها كل ذي عقل، بل قيل إنَّ البهائم لا تفقه غيرها، إنَّ إدراك البشر لهذه الحقيقة، وملازمة هذا الإدراك لهم في كل لحظة من لحظات وعيهم -شعروا بذلك أم لم يشعروا-، ولا نكون تخطينا حدود الحقيقة إن قلنا إنَّ هذا الإدراك هو المحرك المؤثر لكل الأحداث المهمة التي يفعلها البشر.

هذه الحقيقة المفزعة المتيقَّنة لم يُخلق ذو لب إلا يحاول دفعها أو تأخيرها أو حتى تخفيف آثارها.

إنَّ الرغبة في الخلود (مكافحة الموت) رغبة أصيلةٌ متجذرةٌ في النفس البشرية، قد تكون هذه الرغبة وراء كل عمل مهم حسن أو قبيح يقوم به بنو آدم، تلك الرغبة التي أنزلت آدم (وزوجه من الجنة ورسمت طريق بنيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقسمت ونوعت البشرية أقسامًا شتى في السعى إليها، ورسم وتنظيم حياتهم على حسب قوة أو ضعف أملهم في تحقيق هذه الرغبة ولو جزئيًّا.

فمن لا يؤمن بالبعث والنشور ويرى أنَّ حياته هذه آخر وجود له في الكون مع إدراكه اليقيني بحتمية الموت، يمكن أن يكون أحد ثلاثة؛ إما مستسلم للأمر الواقع فاقد الأمل في أي تعديل أو تخفيف من هذه الحقيقة، فيسعى جهده للحصول على أقصى متعة ممكنة من هذه الحياة، مثله كالبهيمة العجماء سواء، إن بدا لها أن تأكل أكلت ما وجدت المرعى وما وجدت في المرعى، وإن بدا لها أن تشرب شربت، وإن بدا لها أن تنكح نكحت، فليس وراءها إلا التراب.

هذا النوع ليس من المنطق بحال إقناعه بأي قيود أو حدود في تحصيل لذَّاته وأهدافه إلا إذا كانت تلك القيود والحدود تساعده على تحصيلها وغير هذا بالنسبة له هراء لا معنى له.

وقسم آخر-ممن لا يؤمن بالبعث- يحاول تعديل أو تخفيف حقيقة الموت ويحاول التمرد عليها والالتفاف حولها، ولا يجد لذلك سبيلًا إلا بتخليد ذكره -أو بالأحرى إطالة زمن ذكره- بعد موته ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت