استطاع إلى ذلك سبيلًا، وقد ينسب لهذا القسم أغلب الشجعان والكرماء والحكماء والعلماء والمخترعين والمؤلفين ... إلخ، ممن تميز في علم أو فن أو خُلُق وهو لا يؤمن بالبعث والنشور، قديمًا وحديثًا.
هؤلاء أدركوا أن حقيقة الموت تجعل حياة الإنسان ليس لها قيمة تُذكر، فلو عشت مائة عام ثم نظرت في العام المائة وراءك لن تجد شيئًا وكأنها ساعة وفقط -حُلوة أو مُرَّة-، وعندهم لو نظرت أمامك لن تجد إلا الموت وفقط، فما قيمة الحياة إذًا؟!
فحاولوا الالتفاف على هذا الأمر بتخليد ذكرهم علَّ هذا يغير -ولو وهمًا- شيئًا من تلك الحقيقة، ويعطي قيمة -ولو سرابًا- لحياتهم.
فعندما تلوم الشاعر الجاهلي [1] امرأته تغريره بنفسه يقول:
أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأعداء والنفس أخوف ...
لعلَّ الذي خوَّفتِنا من أمامِنا ... يصادفُه في أهلِهِ المتخلِّفُ
وقال:
أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيشمت أعدائي ويسأمني أهلي
وعندما يُلام على جاهلي آخر [2] إنفاقه المال يقول:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أقاومها بما ملكت يدي ...
أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد
وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم لماذا ينفق هذا الصنف عمره كله في البحث العلمي أو النضال السياسي أو العسكري مع ما في هذا من رهقٍ وتعبٍ وتغريرٍ بالنفس والمال.
أما ثالث هؤلاء -ممن لا يؤمنون بالغيب- فهو مثل الثاني يحاول المقاومة ويدرك منطقية أن الموت بلا نشور يجعل الحياة لا معنى لها وعبث لا طائل منه، ولكنه يفرق مع السابق في إدراكه عبثية المقاومة
(1) عروة بن الورد.
(2) طرفة بن العبد.