أيضًا وعدم فائدتها، وأن السراب الذي يحسبه القسم الثاني ماءً ليس إلا محض خيال وهراء، فماذا يستفيد بعد موته من أن يُقال عنه أكرم الناس أو أشجعهم أو أعلمهم أو من سُمّي باسمه قوانين الفيزياء وجوائز التشجيع أو غير ذلك؟!
إدراك هذه الحقيقة -في وعيه أو لاوعيه- يدفعه إلى التخلص من حياته التي في نظره عبثٌ وأي عبث!!
وإن ظهر أن هذا القسم أتعس الثلاثة وأشقاهم إلا أنه عند التأمل أحكمهم -وإن كان أحمقًا- وأعقلهم -وإن كان سفيهًا-، ولعل هذا ما يفسر لنا كثرة المنتحرين فيمن لا يؤمنون بالبعث، وكثرة مَن يكون مِن هؤلاء مَن لا يُواجه صعوبات أو مشاكل مادية أو اجتماعية ذات بال، بل لعل خلوه عن المشاكل الذي يوصله إلى ذلك، حيث يأخذ فرصة للتأمل والوصول لتلك النتيجة.
هذا وإن كان الفاصل بين الأقسام الثلاثة ليس حادًّا، فالكثير ممن لا يؤمنون بالبعث يمزج قسمين أو أكثر من هذه الأقسام، وينتقل بين أطوارها؛ يقترب ويبتعد من قسم إلى آخر، إلا إنهم لا يخرجون عنها.
أما من يؤمن بالبعث والخلود بعد ذلك فالأمر بالنسبة لهم مختلفٌ تمامًا، فهناك حلٌّ لحقيقة الموت وهناك طريق لتحقيق الخلود في النعيم، ومن ثم فتعاملهم مع الحياة الدنيا في لذاتها ومضارها وخيرها وشرها مختلف تمامًا عن تعامل غيرهم ومتمايزٌ تمايزًا لا شك فيه.
فمن السهل الحديث معهم عن قيود وحدود في التمتع باللذات دون جني مباشر لثمرة تلك القيود وهذه الحدود في الدنيا، من السهل الحديث معهم عن الإخلاص لله وكبح الرغبة في الشهرة والرياء بالكرم والشجاعة والعلم وغيرها، وبديهي أنه من الأسهل الحديث معهم عن قيمة حياتهم الدنيا وأهمية الحفاظ عليها.
وحيث إنه من أساسيات العقيدة الإسلامية، ومن أهم ما أتى به القرآن -يكاد يزيد على ثلثه- الإيمان بالبعث والخلود بعد الموت وأحواله، فإن هناك تمايزًا لا ينكر بين المسلم وغيره ممن لا يؤمن بالبعث.
وإن كان هذا التمايز يظهر أثره - كما أوضحنا- في مجال أهداف المسلم وغاياته، فإنه يظهر