الصفحة 41 من 83

كذلك جليًّا في مجال وسائل المسلم لتحقيق هذه الأهداف والغايات، وإن كان هذا على مستوى الفرد واضحًا فإنه على مستوى الدول أوضح وأبين؛ لأن الأفراد يتفاوتون في إيمانهم وأفهامهم، لكن الدولة لا بدَّ أن تكون نموذجًا مثاليًّا محايدًا للفكرة التي تقوم عليها.

وسبق أن بيَّنَّا في الباب السابق أن دولة الإسلام تهدف أساسًا إلى العبور بالناس من جسر الدنيا إلى مقرهم في جنة الرحمن، هذا الهدف الذي يميِّزها تمامًا عن أهداف غيرها، يمايز كذلك أساليبها عن أساليب غيرها.

إنَّ دولة الإسلام في ظل إيمانها بالله وحاكميته وإيمانها بالبعث، وتحديدها لأهدافها وغايتها، تتشكل أسبابها ووسائلها لتحقيق هذه الأهداف.

لكن هذه المقدمات أدت لاختلاف مفهوم ارتباط السبب بالنتيجة بالنسبة لدولة الإسلام عن غيرها من الدول، هذا الاختلاف يكاد يجعل مدلول لفظ السبب في دولة الإسلام يختلف جذريًّا عن مدلوله في غيرها من الدول.

فالسبب عند الدول غير المؤمنة هو الذي يُنشئ النتيجة ويخلقها، وهو الذي يُوصل للهدف، أما في دولة الإسلام فإن كانت النتيجة تأتي ثمرة للأخذ بالسبب، إلا أن النتيجة من خلق الله وحده لا شريك له، وإن كانت الأسباب من صنع الله أيضًا لكن الله جعل إرادة الأسباب في يد العباد، أما نتائج الأسباب فليست في أيديهم، والذي جعل هذه أسبابًا وتلك نتائج وربط بينهما هو الله عز وجل [1] .

وينبني على هذا الاعتقاد أثر مهم؛ أنَّ دولة الإسلام مسؤولة عن الأخذ بالأسباب وليست مسؤولة عن النتيجة المترتبة على الأخذ بهذه الأسباب؛ لأن النتيجة عند دولة الإسلام خلق لله وحده لا سلطان لإرادة البشر عليها وليس في وسعهم التحكم فيها {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، أما الأسباب فتلك التي في مقدورهم ووسعهم ولهذا كُلفوا بها.

وفي هذا يقول الشاطبي - رحمه الله:"الذي للمكلف تعاطي الأسباب، وأما المسبَّبات [النتائج] فمن فعل الله"

(1) راجع تفصيل مهم حول هذا الأمر في"نظرية النصر في الإسلام" (5 - 14) للمؤلف، إصدار دار التقوى الطبعة الأولى 1430 هـ-2009.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت