فهرس الكتاب
وحكمه لا كسب فيه للمكلف، واستقرار هذا المعنى في الشريعة مقطوعٌ به، فإذًا لا يتعلق التكليف وخطابه إلا بمكتسب، فخرجت المسببات عن خطاب التكليف، لأنها ليست بمقدروهم، ولو تعلق بها لكان تكليفًا بما لا يُطاق وهو غير واقع كما تبين في الأصول" [1] ."
وعند قيام دولة الإسلام بمسؤوليتها في الأخذ بالأسباب تلتزم بأوامر وحدود الله عز وجل، فلا تأخذ من الأسباب إلا بما أمر الله به أو أباح، مهما زعم من زعم أن هذه الأسباب لا تُؤدي إلى النتائج المطلوبة. وكذلك تنتهي عن الأخذ بالأسباب التي نهى الله عنها مهما ادُّعي أيضًا أنها تؤدي إلى النتائج المطلوبة، وهذا أمر بديهي؛ فبما أن دولة الإسلام مكلفةٌ بتحصيل الأسباب فقط دون النتائج ومسؤولة عن ذلك أمام الله، فليس لها أن تأخذ منها إلا ما أمر الله به أو أباحه مهما بدا عدم أداء هذه الأسباب النتائجَ المطلوبة، لأنها ببساطة ليست مسؤولة عن النتائج.
إنَّ هذا الأمر لا يستطيع أحد المجادلة فيه، فيما يتعلق بالنتيجة الكبرى والهدف الأسمى وهو دخول الناس الجنة؛ فالدعوة للإسلام وإقامة الصلاة وأداء الصوم -على سبيل المثال- وسائل موصلة للجنة، على دولة الإسلام دعوة الناس إليها وتعليمهم إياها وأمرهم بها وتسهيل أدائها وغير ذلك، دون أن تسأل أو تهتم بأمر النتيجة التي لن تُعرف إلا يوم القيامة.
لكن الأمر تستعجمه الفطر المنكوسة والأكواز المُجخية [2] عندما يتعلق الأمر بأهدافٍ مرحلية ونتائج قريبة تسعى لتحقيقها دولة الإسلام لخدمة الهدف الأسمى والحقيقة الكبرى.
فدولة الإسلام مثلًا تسعى للنهوض بالاقتصاد كهدف مرحلي يُساعد على الوصول إلى الجنة، في سعيها هذا تكون مطالبة ببذل وسعها في الأخذ بالأسباب التي تنهض بالاقتصاد لكنها غير مسؤولة عن النهوض به والذي هو نتيجة هذا الأخذ، ويظهر الفارق عندما يتوفر لديها فائض من محصول العنب تصنيعه خمرًا يُربحها عشرة أضعاف تصنيعه خلًا -مع شدة الاحتياج لثمن الخمر-، لا يسع دولة الإسلام إلا تصنيع الخل فقط -في مثالنا- مهما بدا أن في هذا إهدارًا للموارد وإضرارًا بالاقتصاد، فالدولة ليست
(1) الموافقات للشاطبي (1/ 306) .
(2) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» صحيح مسلم (144) .