الصفحة 43 من 83

مسؤولة إلا عن الأخذ بالأسباب في الحدود التي سمح بها الإسلام، وقس على هذا أمورًا كثيرة أخرى.

وعند المقارنة مع الدول العلمانية يظهر أن مفهوم السبب عند دولة الإسلام يقترب بدرجة كبيرة من مفهوم النتيجة في الدولة العلمانية -وإن لم يتطابق معه- أكثر من اقترابه من مفهوم السبب عند تلك الدولة، وللتفصيل في ذلك نقول:

إنَّ الدولة العلمانية أو المدنية لا تؤمن -كدولة- بالبعث والخلود بعد الموت، بغض النظر عن اعتقادات أفرادها، فالاعتقاد في البعث والنشور ليس من أفكار الدولة العلمانية بحال، وهو الذي ينعكس انعكاسًا مباشرًا على أهدافها ومن ثم وسائلها، وإذا استعرضنا الأقسام التي ذكرناها -في أول الفصل- للذين لا يؤمنون بالبعث وتعاملهم مع حقيقة الموت نجد أن الدولة المدنية تخدم أساسًا الصنف الأول الذين يحاولون التمتع بأقصى متعة ممكنة من الحياة الدنيا؛ لأنهم -في اعتقادهم- لا يعيشون إلا مرة واحدة، ولا تضع عليهم قيودًا أو حدودًا إلا فيما يكفل تمام المتعة للجميع، وهي -الدولة العلمانية- وإن كانت تتيح الفرصة وتمهد السبل للصنف الساعي لتخليد اسمه وذكره، فذلك من باب خدمة هذا الصنف للصنف الأول الذي هو الغالبية في الدولة، هذه هي النظرة الفاحصة للمذهب الفردي والدول الرأسمالية التي تسود عالمنا المعاصر، وعندما حاولت بعض الدول تبني وجهة نظر الساعين لتخليد ذكرهم وتغليبها على غيرهم وصاغوا ذلك في نظريات تدعو لتخليد الدولة والطبقة والمجتمع على حساب الفرد ولذاته (ولأن خلود الدولة والمجتمع أمر ظني عند أغلب شعوبهم بل هو شك أو وهم) ، فإن هذه الشعوب لم تُطق هذا الأمر إلا يسيرًا ولم تقبل التضحية بمتع يقينية حاضرة في سبيل خلود ظني زائف، فثاروا -غالبيتهم- ورجعوا بدولهم إلى القسم الأول.

وكما وضحنا لتوِّنا فإن من لا يؤمن بالله واليوم الآخر يجعل من السبب خالقًا للنتيجة، فطالما أخذت بالسبب الصحيح فلا بد وأن يخلق النتيجة المطلوبة، ولهذا تصبح النتيجة عندهم مقياسًا لصحة وفاعلية الأخذ بالسبب، وتُبرر ببساطة مقولة ميكافيلي"الغاية تبرر الوسيلة"، وتسود بلا مقاومة براجماتية"تومس مور"، فالسبب الذي ينتج النتيجة المرجوة سبب صالحٌ وحسن حتى لو كان دينًا أو أخلاقًا أو عفةً أو إلحادًا أو تسيبًا أو مُجونًا، وعكسه سببٌ فاسد.

بل يمتد الأمر للفصل في المقارنة بين الصالح والأصلح والحسن والأحسن، فالسبب الأصلح الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت