فهرس الكتاب
ينتج النتيجة الأصلح -في مقياسهم- ولو كان الصالح إيمانًا والأصلح كفرًا، هكذا في ظلمات ودركات بعضها تحت بعض، ومن هذا الغسق المنتن تكون الدولة العلمانية المدنية مسؤولة تمامًا عن النتيجة أيَّا كانت الأسباب التي أخذتها.
إنَّ دولة الإسلام إذا تحققت لها مثلًا نتيجة النصر على عدوها ولم تكن أسبابها في ذلك مشروعة، فإنها تستحق اللَّوم والعتاب مهما كان النصر مؤزرًا والغنيمة كبيرة، كما فعل المسلمون حين انتصروا في الشهر الحرام وغنموا فعوقبوا ونزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة:217] ، بل أبلغ من ذلك؛ فإن إنشاء دولة الإسلام نفسها كنتيجة لا بدَّ أن يكون سببه مشروعًا؛ فهذا الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم يسعى لحماية الدين وإقامة الدولة، فيطوف بالناس وتُقدَّم له العروض فيُعرض عليه الحماية والنصرة على أن يكون الأمر لهذه القبيلة من بعده فيرفض، وهو في أشد حالات الاستضعاف والاضطهاد، ويَعرض عليه من بايعوه على النصرة قبل الهجرة أن يميلوا على أهل مكة فيقتلوهم، وهذا لو حدث كان كفيلًا بالقضاء على قريش وإقامة الدولة في مكة وتجنب -في الظاهر- سنوات طوال من القتال والمعاناة ولكنه صلى الله عليه وسلم يرفض قائلًا ومعللًا: «لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ» [1] .
هكذا في سطوعٍ شديدٍ لا تأخذ دولة الإسلام إلا بالسبب المشروع مهما لمع بريق الأخذ بالأسباب الأخرى.
أما الدولة العلمانية فإن كل ما سبق بالنسبة لها خرافات لا معنى لها وتضييع للفرص، كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا، وإن وفُّوا بالعهد أو التزموا بقانون الحرب مرة أو مرات فذلك لضمان نتائج استراتيجية دنيوية وإلا فالالتزام بالعهد والقوانين سفاهة وبله! وفي استعراض تاريخ هذه الدول في شتى مجالات الحياة غِنىً عن التمثيل لما نقول، وهو ما يتسق تمامًا مع مذهبهم في الحياة.
فيظهر هنا جليًّا التمايز بل والتنافر بين مفهوم ونظر دولة الإسلام للأسباب، ومفهوم ونظر الدولة المدنية.
هذا وإن كانت الدول الثيوقراطية تشترك بوجه أو بآخر مع دولة الإسلام في النظر للأسباب ومفهومها، إلا أنَّ اختلاف أنواع هذه الأسباب ومصدرها وموضوعها يُجذِّر تفرُّد وتمايز دولة الإسلام
(1) سيرة ابن هشام (1/ 448) .