الفصل الثالث:
تمايز حدود إقليم دولة الإسلام
إن احترام الحدود الإقليمية بين الدول سواء طبيعية أو صناعية من أهم ما يميز الدول الحديثة، لأن حدود الدولة تحدد إقليم الدولة الذي يمثل ركنًا أساسيًّا من أركان الدولة العلمانية أو المدنية وهو ما يتسق ببساطة مع فلسفة ومنطق وجود وقيام الدولة العلمانية والمدنية، فمقاصد الدولة العلمانية ونظرتها لشعبها وللبشر عمومًا والغرض من حياتهم وأهدافهم تحتِّم وجود حدود مستقرة يتعايش الشعب فيها وينعم بلذات الحياة ويقاوم صعوبتها.
والاعتداء على حدود دولة أخرى يعتبر حسب مفاهيمهم اعتداءً على حق شعب هذه الدولة في الحياة ومقاصدها، والذي يقفون فيها على قدم المساواة -زعموا-.
فلا مُبرر منطقي أو فلسفي أو أخلاقي لهذا الاعتداء، كما أنه مُؤذِنٌ باعتداء مماثل سواء من نفس المعتدى عليه أو من غيره؛ ولهذا فالتزام الحدود واحترامها واستقرارها أمر تُسلِّم وترضى به كل الدول العلمانية لاتساقه التام مع نظرتهم للحياة وأهدافها ونظرتهم للإنسان، ويُبرر هذا لنا بسهولة لماذا يثور كثير من شعوب الدولة المعتدية اعتراضًا على الاعتداء على غيرها، ويحتاج حكامها وساستها الكثير من الحجج والتبريرات، وأحيانًا الأكاذيب لتسويغ هذا الاعتداء الذي لا يتسق بحال مع نظريات الدولة العلمانية وأسس وجودها ونشأتها.
ومن المنطقي أنَّ تمايز مقاصد ونشأة واستمرار دولة الإسلام ونظرتها للبشر يُؤدي حتمًا إلى تمايز نظرتها لحدود إقليمها واحترامها لأقاليم الدول الأخرى.
وإن مراجعة بسيطة لما سبق وقُرر من مفاهيم في الفصلين السابقين تُؤدي إلى استنتاج النتيجة الحتمية لهذا الفصل، فدولة الإسلام دولة رسالة مكلفة بمهمة من الله عز وجل.
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ} [الصف:9] .