الله صلى الله عليه وسلم [1] - بدم غيره [2] .
أين ما سبق من مفاهيم وقوانين حقوق الإنسان (المزعومة) عالميًا التي تقوم عليها الدولة العلمانية والمدنية الحديثة؟! أين ما سبق من مفاهيم الوطنية والقومية وغيرهما؟! إنه لا لقاء البتة بين نظرة دولة الإسلام للإنسان والشعب المكون لها وبين نظرة باقي دول العالم له.
وواسطة عقد المسألة والتي يُبنى عليها ويلخص بها كل ما سبق هو الفارق الذي لا يغيب إلا عن منكوس البصر والبصيرة بين النظر للإنسان كعبد لله فقط لم يخلقه ويعطه حقًّا في الحياة إلا لعبادته وفقط، وبين النظر للإنسان كعبد لمفاهيمه وآرائه ونزواته وشهواته يحيا ليحيا ويعيش ليعيش ويتلذذ ليتلذذ، وفي النظر الأخير هذا يسوغ جدًّا الكلام عن مساواة البشر جميعًا -ذكورهم وإناثهم- أيًّا كان إلههم أو دينهم أو عرقهم أو لونهم أو غير ذلك لأنهم جميعًا متساوون -زعموا- في تلك العبودية.
أما بالنظر الأول فالتمايز بين عباد الله وغيرهم أوضح ما يكون وأسوغ من أن يحتاج إلى تبرير.
أَبَعدَ هذا يسوغ لمن له مسحة عقل أن يزعم تقاربًا فضلًا عن تطابق بين نظرة دولة الإسلام للإنسان ونظرة الدول الأخرى له؟ {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] .
ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة ... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
(1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ [يعني الكعبة] ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا» رواه ابن ماجة (3932) ، وصححه الألباني في الصحيحة (3420) .
(2) راجع أحكام القصاص وتقدير الديات ومقارنة المسلم بغير المسلم في ذلك في مراجع الفقه الإسلامي الكبرى كالمغني لابن قدامة الحنبلي، و"الإحكام في أصول الأحكام"لأبي محمد بن حزم، و"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"للشوكاني، و"المدونة الكبرى"للإمام مالك، و"حاشية ابن عابدين"لمحمد أمين الشهير بابن عابدين الحنفي، و"سبل السلام شرح بلوغ المرام"لمحمد بن إسماعيل الصنعاني الشافعي، و"المجموع شرح المهذب"للنووي الشافعي، وغيرهم كثير؛ هذا وإن كان للحنفية آراء تخالف الجمهور في هذه الأمور فهذا الخلاف يبقى في الإطار العام الذي هو مقصود هذه الرسالة وهو مخالفة حكم المسلم غير المسلم ولو كان فقط على مستوى تعليل الحكم.